قانون إعدام الإنسانية

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد تشريع عابر في سياق صراع طويل، بل هو إعلان صريح عن انحدار أخلاقي وقانوني يضرب بجذور العدالة عرض الحائط. حين تتحول القوانين إلى أدوات انتقام، تفقد الجهة التي تسنّها أي ادعاء بالالتزام بالقيم الإنسانية أو مبادئ القانون الدولي.

وينص مشروع القانون على أن كل شخص "يتسبب عمدًا في وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل، يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد"، وفق ما جاء في النص وبحسب صيغة القانون، يمكن لإسرائيل تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطنًا إسرائيليًا، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينيًا.

هذا القانون، في جوهره، يعكس عقلية ترى في الشعب الفلسطيني عدواً يجب التخلص منه لا كائناً له حقوق، حتى وهو أسير. والأسرى، وفقاً لكل الأعراف الدولية، هم أشخاص فقدوا حريتهم، وبالتالي يصبح واجب هذا الكيان الغاصب، الآسر هو على الأقل محاكمتهم لا تصفيتهم. إن السعي لإضفاء شرعية قانونية على الإعدام يكشف محاولة فجّة لتبرير القتل تحت غطاء "القانون"، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة التي تقوم على المحاكمة العادلة وحق الدفاع ورفض العقوبات القاسية واللاإنسانية.

الأخطر من ذلك أن هذا القانون لا يأتي من فراغ، بل في سياق مشحون بالصراع، حيث تتحول النصوص القانونية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية. فبدلاً من البحث عن حلول تحدّ من دائرة العنف، يجري توسيعها عبر تشريع يفتح الباب أمام مزيد من الدماء والعنصرية والكراهية. إن مثل هذه القوانين لا تردع بقدر ما تغذي دوامة الانتقام، وتدفع نحو مزيد من العنف والتصعيد.

كما أن هذا التوجه يقضي على أي فرصة لقيام سلام حقيقي. فكيف يمكن الحديث عن تسوية أو تعايش في ظل قوانين تُشَرْعِنُ الإعدام على أساس الهوية والعِرْقِيَّة والانتماء؟ خاصة عندما يشعر شعب بأكمله أن أبناءه مهددون بالموت حتى بعد وقوعهم في الأسر.

إن هذا القانون يُعد شهادة وفاة للقانون الدولي، الذي يحظر الإعدامات التعسفية ويشدد على حماية الأسرى. إن تجاهل هذه القواعد لا يلغيها، بل يعمّق العزلة الأخلاقية والسياسية، ويكشف ازدواجية المعايير حين يتم الحديث عن حقوق الإنسان في مكان وتجاهلها في مكان آخر.

في الختام، إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس دليلاً على القوة، بل على أزمة عميقة في منظومة القيم الإنسانية. إنه تعبير عن عجز شديد في إدارة الصراع بوسائل عادلة، واستبدال ذلك بمنطق القمع الصريح والقوة الغاشمة. والتاريخ يُعلّمنا أن القوانين التي تُبنى على الظلم لا تدوم، وأن العدالة، مهما تأخرت، تظل المعيار الذي تُقاس به أي مشروعية سياسية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق