من المقرر شرعًا أن إكرام الإنسان وحفظ نفسه وعرضه عن كل ما يسوؤه من المقاصد الكلية الخمس للشريعة الإسلامية، وهو حقٌّ ثابتٌ له لا يسقط بموته؛ فإكرام الميت وحفظ حرمته واجب شرعي؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
بيان وجوب ستر المُغسِّل على من يتولى تغسيله إذا رأى منه ما يكره
واتساقًا مع مبدأ الإكرام أوجبت الشريعة طهارةً بدنية للميت، تتمثل في إيجاب غسل الميت على الأحياء؛ فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الرجل المحرم الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» متفق عليه.
وتأكيدًا لحرمة الإنسان وخصوصيته حيًّا وميتًا، حث الشرع الشريف على عدم إفشاء حاله إن كان مما يكره ذكره، وعدَّ ذلك من موجبات رحمة الله ومغفرة الذنوب، ولأجل ذلك اشترط في من يقوم بالغسل أن يكون من أهل الثقة والأمانة.
فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رواه الإمام أحمد.
وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا رَأَى، خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رواه الإمام ابن ماجه.
الغسل عبادةٌ مبناها الإخلاص والستر لا التجسس والتشهير
الأصل في الغسل أنه عبادةٌ مبناها الإخلاص والستر، لا التجسس والتشهير، فلا يجوز شرعًا جَعْلَ التفتيش عن عيوب الموتى ورصد سوء علاماتهم باعثًا للتغسيل.
ودعوى أن القصد هو الموعظة لا يبرر بحالٍ من الأحوال انتهاك ستر الميت الذي حرمته كحرمة الحي، وإفشاء ما يُرى أثناء الغسل من العورات، وهو من قبيل الغيبة المحرمة وخيانة الأمانة التي اؤتمن عليها الغاسل.


















0 تعليق