بعد سقوط وهم الحماية ؛؛؛ هل يبدأ زمن صناعة الردع العربي؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في لحظة كاشفة تمر بها المنطقة اليوم، لم يعد السؤال نظريا ً كما كان في السابق ؛ بل أصبح واقعا ً يفرض نفسه بقوة:
هل يمتلك العرب بالفعل قدرة ردع تحميهم .. أم أنهم لا يزالون يعتمدون على مظلة خارجية أثبتت الأحداث محدوديتها؟

التطورات الأخيرة لم تترك مجالا ً واسعا ً للتأويل .. فقد كشفت بوضوح أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لا يضمن الأمن، ولا يمنع الضربات، ولا يحقق الردع الحقيقي.
الحماية قد تؤجل الخطر، لكنها لا تلغيه وقد تحتوي التصعيد، لكنها لا تمنع وقوعه.
الردع الحقيقي ليس مجرد صواريخ أو طائرات، بل هو منظومة متكاملة تقوم على أربعة أركان مترابطة:
قوة عسكرية تُرهِب الخصوم، قوة اقتصادية تحرر القرار، قاعدة علمية وتكنولوجية تنتج أدوات العصر، ومنظومة فكرية وإعلامية قادرة على الصمود في مواجهة الحرب النفسية.
وغياب أي ركن من هذه الأركان يُفرغ الردع من مضمونه، ويحوّله إلى مجرد توازن هش قابل للاختراق.

بالعودة إلي التجربة المصرية في سبعينيات القرن الماضي كانت محاولة مبكرة لفهم هذه المعادلة .. حين أُطلقت فكرة الهيئة العربية للتصنيع كمشروع عربي مشترك لبناء قاعدة صناعية عسكرية مستقلة.
لم يكن الهدف مجرد إنتاج سلاح، بل كسر التبعية وبناء قرار مستقل، لكن المشروع لم يكتمل عربيا ً وانسحب الشركاء، لتبقى التجربة محصورة في نطاق مصري، بينما كانت مؤهلة لأن تصبح نواة لصناعة ردع عربية حقيقية.

اليوم، ورغم ما تحقق من تطور نسبي في بعض الدول العربية في مجالات الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، إلا أن هذه الجهود لا تزال متفرقة، تفتقد إلى التكامل الاستراتيجي، وتعمل دون مظلة عربية موحدة.
وفي المقابل، تعمل الصناعات العسكرية الغربية - وعلى رأسها الأمريكية - ضمن منظومة متكاملة، تخدم أهدافا ً سياسية واضحة، وتضمن تفوقا ً مستمراً لحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل.

المفارقة أن العرب لا تنقصهم الإمكانات ؛ بل يملكون من الموارد المالية، والموقع الجغرافي، والطاقات البشرية والعلمية، ما يؤهلهم لبناء منظومة ردع حقيقية .. لكن ما ينقصهم هو الإرادة الجامعة التي تحوّل هذه الإمكانات إلى مشروع متكامل، لا مبادرات منفصلة.
لقد أثبتت الأحداث أن الأمن لا يُشترى بالكامل، ولا يُستورد جاهزا ً، وأن من لا يملك أدوات ردعه، سيظل دائما ً في موقع رد الفعل، مهما امتلك من ثروات.

السؤال اليوم لم يعد: هل يمكن للعرب بناء ردع ؟ بل أصبح:
هل يدرك العرب أن لحظة الاعتماد على الذات قد حانت بالفعل؟
لأن ما تكشف في الواقع ليس مجرد خلل في التوازن؛ بل كشف لحقيقة أبسط وأخطر:
أن من لا يصنع أمنه بنفسه، سيظل يعيش في ظل أمن الآخرين، بشروطهم، وحدودهم، وأولوياتهم .

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق