شوارع عبدالمنعم رياض التى فى القلوب

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لو يعرفونَ أن يموتوا.. مثلما فعلتْ

لو مدمنو الكلامِ فى بلادنا

قد بذلوا نصفَ الذى بذلتْ

لو أنهم من خلفِ طاولاتهمْ

قد خرجوا.. كما خرجتَ أنتْ..

واحترقوا فى لهبِ المجدِ، كما احترقتْ

لم يسقطِ المسيحُ مذبوحًا على ترابِ الناصرةْ

ولا استُبيحتْ تغلبٌ

وانكسرَ المناذرةْ..

لو قرأوا- يا سيّدى القائدَ- ما كتبتْ

لكنَّ من عرفتهمْ

ظلّوا على الحالِ الذى عرفتْ..

يدخّنون، يسكرونَ، يقتلونَ الوقتْ

ويطعمونَ الشعبَ أوراقَ البلاغاتِ كما علِمتْ

وبعضهمْ.. يغوصُ فى وحولهِ..

وبعضهمْ..

يغصُّ فى بترولهِ..

وبعضهمْ..

قد أغلقَ البابَ على حريمهِ..

ومنتهى نضالهِ..

جاريةٌ فى التختْ..

يا أشرفَ القتلى، على أجفاننا أزهرتْ..

الخطوةُ الأولى إلى تحريرنا

أنتَ بها بدأتْ..

يا أيّها الغارقُ فى دمائهِ

جميعهم قد كذبوا.. وأنتَ قد صدقتْ..

جميعهم قد هُزموا

ووحدكَ انتصرتْ.

تذكرت هذه القصيدة للشاعر «السورى» الكبير نزار قبانى بعد معرفتى بقرار الرئيس «السورى» الجديد أحمد الشرع «الجولانى»، رفع اسم الجنرال الذهبى الشهيد العظيم عبدالمنعم رياض من على شارع فى مدينة حمص «السورية».

القيادة الجديدة فى البلد الشقيق، تبعث لا شك برسائل إلى واشنطن وتل أبيب بهذا القرار، رياض الذى استشهد وسط جنوده على الجبهة فى ٩ مارس ١٩٦٩، لم يكن قائدًا عاديًا، كان معنى كبيرًا فى الوطنية المصرية، وإذا كان الجولانى يعتقد أنه بتغييره اسم الشارع الذى يحمل اسم البطل الذى سعى لتحرير الأرض العربية، ومنها الجولان المحتل «حتى الآن مع أرض جديدة»، أنه ينتقم من المقاومة، أو أنه سيكافأ على قراره من الذين قتلوه، فهو مخطئ.

عبدالمنعم رياض، الذى أصبح تاريخ استشهاده يومًا للشهيد، «لم يكن ضابطًا عاديًا منذ بدايته» كما كتب محمود عوض، «كان عاشقًا للعسكرية المصرية، مؤمنًا بأنه لا حياة لمصر بغير جيش قوى يحميها، والجيش القوى الذى يستعد لحرب مقبلة وليس لحرب سابقة، يعنى التبحر فى العلم العسكرى، يعنى أن يصبح القائد قدوة بسلوكه وليس بكلماته.. لا يقول لجنوده تقدموا، وإنما يقول لهم اتبعونى».

عبدالمنعم رياض الذى كان مؤمنًا بأن القادة يصنعون، ولا يُولدون، «يصنعهم العلم والتجربة والفرصة والثقة»، هو لم يكتفِ بالعلوم العسكرية التى درسها بالكلية الحربية، فيدرس الرياضة البحتة انتسابًا فى كلية العلوم، ويرى فى الاقتصاد أهمية للتخطيط العسكرى، فيسعى لدراسته فى كلية التجارة، وهو يحمل رتبة «فريق».

عبدالمنعم رياض تصقله تجارب ما خاضه من معارك فى العلمين عام ١٩٤١، وفلسطين عام ١٩٤٨، والعدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، ونكسة يونيو عام ١٩٦٧، وأخيرًا «الاستنزاف»، التى كان فيها استشهاده عام ١٩٦٩.

فى عام ثورة ١٩١٩ كان الميلاد فى سبرباى إحدى قرى طنطا، أبوه هو الـ«قائممقام» محمد رياض عبدالله، قائد بلوكات الطلبة بالكلية الحربية، يحصل الابن عبدالمنعم على «التوجيهية» بتفوق، ويلتحق بناءً على رغبة الأسرة بكلية الطب التى يظل بها عامين، إلا أن حنينه للكلية الحربية يدفعه لترك الطب والالتحاق بها، ليكون التخرج فى عام ١٩٣٨، كملازم ثانٍ فى سلاح المدفعية، واصل التعلم، لينال الماجستير فى العلوم العسكرية فى عام ١٩٤٤، ثم كمعلم مدفعية مضادة للطائرات بامتياز فى بريطانيا عام ١٩٤٦.

كانت الحروب التى خاضها وسيلته للتجربة، واكتساب الخبرة العملية التى جعلته واحدًا من أشهر العسكريين العرب، هو حارب ضد الألمان والإيطاليين، ضمن القوات المصرية التى أرسلتها إنجلترا للعلمين لمساعدة قواتها هناك عام ١٩٤١.

وفى عام ١٩٤٨ يلتحق بإدارة العمليات والخطط فى القاهرة، ليكون همزة الوصل والتنسيق بينها وبين قيادة الميدان فى فلسطين، وليحصل على وسام «الجدارة الذهبى» لقدراته العسكرية التى ظهرت فى تلك الحرب، ولعل هذا ما أهَّله لتولى العديد من المناصب فى الجيش المصرى، من بينها قيادة مدرسة المدفعية المضادة للطائرات عام ١٩٥١، وقيادة اللواء الأول المضاد للطائرات بالإسكندرية، وقيادة الدفاع المضاد للطائرات فى سلاح المدفعية، ثم رئيس أركان سلاح المدفعية، ورئيس أركان القيادة العربية الموحدة فى عام ١٩٦٤، وقائد عام الجبهة الأردنية فى حرب يونيو عام ١٩٦٧.

ورغم مرارة الهزيمة، وتحمل القوات المسلحة، الجزء الأكبر فيها، فإنه يبدأ مع توليه منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، فى ١١ يونيو ١٩٦٧، فى إعادة بناء ذلك الصرح الذى انهار مع النكسة، فيضع العامل النفسى للجنود والضباط نصب عينيه، ويقرر إعادة الثقة لهم، مؤكدًا أنهم لم يخوضوا حربًا ليهزموا، وأن الفرصة لم تضع بعد، فتكون رأس العش، التى حالت دون سيطرة القوات الإسرائيلية على مدينة بورفؤاد المصرية عند قناة السويس.

وبعد أيام من الهزيمة تلاها تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات فى ٢١ أكتوبر ١٩٦٧، فيثبت لجنوده صحة رؤيته وإيمان الوطن بقدراتهم التى لم تختبر بعد، حانت اللحظة الحاسمة فى حياته، حينما أصر على الإشراف بذاته على تدمير جزء من مواقع خط بارليف، فى الثامن من مارس عام ١٩٦٩، تنطلق النيران على طول خط الجبهة، وتقع الخسائر على الجانب الإسرائيلى الذى لم يتوقع ذلك الهجوم.

ينتهى اليوم الأول، ويجىء صباح يوم التاسع من مارس، فيتوجه إلى الجبهة لمتابعة المعركة عن قرب، ولا يكتفى بذلك فيذهب للموقع السادس بالإسماعيلية الذى كان لا يبعد سوى ٢٥٠ مترًا فقط عن مرمى المدفعية الإسرائيلية، ويستشعر العدو وجود شخصية مهمة فى الموقع فيكثف نيرانه، فيقع الفريق عبدالمنعم رياض شهيدًا، تصعد روحه إلى بارئها، ويحكى الأستاذ محمد حسنين هيكل فى مقاله بالأهرام فى اليوم التالى لرحيله: «وكانت الحفرة التى نزل إليها عبدالمنعم رياض تتسع بالكاد لشخصين أو ثلاثة. وانفجرت قنبلة للعدو على حافة الموقع، وأحدث انفجارها تفريغ هواء مفاجئًا وعنيفًا فى الحفرة التى كان فيها عبدالمنعم رياض، وكان هو الأقرب إلى البؤرة التى بلغ فيها تفريغ الهواء مداه، وحدث له شبه انفجار فى جهاز التنفس، وحين انجلى الدخان والغبار كان عبدالمنعم رياض ما زال حيث هو، وكما كان، إلا تقلصات ألم صامت شدت تقاطيع وجهه المعبر عن الرجولة، ثم خيط رفيع من الدم ينساب هادئًا من بين شفتيه، وتنزل قطراته واحدة بعد واحدة على صدر بذلة الميدان التى كان يرتديها بغير علامات رتب، كما كان يفعل دائمًا حين يكون فى الجبهة ووسط الجنود. لم يكن لدى أطباء المستشفى فى الإسماعيلية وقت طويل للمحاولة، برغم أمل ساورهم فى البداية، حين وجدوا جسده كله سليمًا بلا جرح أو خدش، لكنها خمس دقائق لا أكثر ثم انطفأت الشعلة، وتلاشت تقلصات الألم التى كانت تشد تقاطيع الوجه المعبر عن الرجولة، لتحل محلها مسحة هدوء وسلام، ورضا بالقدر واستعداد للرحلة الأبدية إلى رحاب الله».

قرار الجولانى جاء فرصة لتذكر أنبل وأعظم شهداء مصر والعرب، من الذين بذلوا أعمارهم فى سبيل الحق.. عبدالمنعم رياض الذى كتب كثيرون عن بطولاته وثقافته وتذوقه للفنون الرفيعة مثل الشعر والأوبرا والموسيقى، ورثاه شعراء العروبة من المحيط للخليج.. يملك فى قلوب عارفى فضله شوارع وحدائق لا يعرف الجولانى حدودها.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق