تدفع الولايات المتحدة وإيران المواجهة إلى مستوى جديد من التوتر بعد أن أعلنت واشنطن الاستيلاء على سفينة شحن إيرانية فى خليج عمان، فى خطوة عسكرية هى الأولى من نوعها منذ بدء الحصار البحرى قبل أيام، بينما تتجه الأنظار إلى جولة مفاوضات مرتقبة فى باكستان وسط شكوك متزايدة حول مشاركة طهران، وقبيل انتهاء وقف إطلاق النار خلال أيام قليلة.
ويأتى هذا التصعيد بالتوازى مع استعدادات عسكرية أمريكية متزايدة فى المنطقة، حيث يستعد الجيش الأمريكى خلال الأيام المقبلة لتنفيذ واحدة من أكبر عمليات الانتشار البحرى له فى الشرق الأوسط وحوله منذ الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل سبعة أسابيع.
وعادت حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس جيرالد آر فورد والسفن الحربية المرافقة لها إلى نطاق عمليات القيادة المركزية الأمريكية بعد عبورها شرق البحر المتوسط، حيث عبرت قناة السويس ودخلت البحر الأحمر خلال عطلة نهاية الأسبوع برفقة المدمرتين يو إس إس ماهان ويو إس إس وينستون إس تشرشل
فى المقابل، تعهد إبراهيم ذو الفقارى، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، برد حاسم على عملية الاستيلاء، موضحاً أنه نظراً لوجود عائلات أفراد الطاقم على متن السفينة فقد تمت ممارسة ضبط النفس التشغيلى، لكنه أكد أن القوات الإيرانية ستتخذ الإجراءات اللازمة ضد الجيش الأمريكى الذى وصفه بالإرهابى فور تأمين سلامة الطاقم.
وفى السياق الدبلوماسى، كشف مصدر أمنى باكستانى أن قائد الجيش الباكستانى عاصم منير أجرى اتصالاً مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أبلغه خلاله أن الحصار الأمريكى للموانئ الإيرانية يشكل عقبة أمام استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران، مضيفاً أن ترامب أبدى استعداده لأخذ النصيحة بعين الاعتبار.
وأضاف المصدر أن رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف تواصل مع الرئيس الإيرانى مسعود بيزشكيان طالباً إرسال وفد إلى محادثات فى باكستان، لكن الأخير أكد أن إيران لن تشارك ما لم يتم رفع الحصار البحرى.
وكان ترامب قد أعلن أن القوات البحرية الأمريكية اعترضت سفينة الشحن الإيرانية توسكا بعد محاولتها تجاوز الحصار المفروض على مضيق هرمز، مشيراً إلى أن المدمرة الأمريكية سبروانس وجهت إنذاراً مباشراً للسفينة لكنها رفضت الامتثال، ما دفع القوات الأمريكية إلى استهداف غرفة المحركات وتعطيلها قبل أن تصعد قوات مشاة البحرية وتفرض سيطرتها الكاملة عليها.
وصف كارل شوستر النقيب السابق فى البحرية الأمريكية والمحلل المقيم فى هاواى السفينة بأنها يمكن التعامل معها بوصفها غنيمة حرب، بحسب شبكة سى إن إن، فى وقت اعتبرت فيه العملية أول اقتحام مباشر لسفينة منذ بدء الحصار البحرى فى 13 إبريل ضمن استراتيجية أمريكية تهدف إلى زيادة الضغط على طهران، حيث أعادت القوات الأمريكية حتى الآن 25 سفينة حاولت عبور المضيق وفقا لبيانات القيادة المركزية الأمريكية
وتوضح الخبيرة البحرية جينيفر باركر الضابطة السابقة فى البحرية الملكية الأسترالية أن قوانين الحرب البحرية تسمح بالاستيلاء على السفن التى تحاول خرق الحصار فى ظروف النزاع، لكنها تشير إلى أن تثبيت الملكية النهائية يتطلب إجراءات قضائية معقدة.
أما مصير طاقم السفينة فلا يزال غير محسوم، إذ يعتمد على جنسياتهم وطبيعة أدوارهم، حيث تشير التقديرات إلى احتمال الإفراج عن الأجانب وإعادتهم إلى بلدانهم، بينما قد يواجه الطاقم الإيرانى احتجازاً وتحقيقاً خصوصاً فى حال وجود صلات بالحرس الثورى الإيرانى، كما لا يستبعد تصنيف بعضهم كأسرى إذا ثبت وجود شحنة عسكرية على متن السفينة وفقاً لقوانين النزاع البحرى.
فى المقابل، وصفت القيادة العسكرية الإيرانية العملية بأنها عمل قرصنة معتبرة أن واشنطن تجاوزت كل الخطوط، بينما أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الاستيلاء جاء بعد ست ساعات من التحذيرات المتكررة للسفينة التى واصلت الإبحار فى شمال بحر العرب متجاهلة النداءات.
وأظهر فيديو نشرته القيادة الأمريكية أن المدمرة سبروانس أطلقت تحذيرات صوتية مباشرة قبل استخدام مدفع عيار خمس بوصات لتعطيل السفينة دون إغراقها، ما مهد لصعود قوات المارينز والسيطرة عليها بالكامل.
وأكد مسئول أمريكى أن القوات كانت تستعد لهذه العملية منذ أيام، مشيراً إلى أن عناصر من الوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين التابعة لمشاة البحرية المتمركزة فى أوكيناوا باليابان وصلت إلى المنطقة ضمن قوة بحرية مكونة من ثلاث سفن فى مارس الماضى تحسبا لأى تصعيد.
وتعود ملكية السفينة توسكا إلى شركة إيرانية مدرجة ضمن العقوبات الأمريكية والبريطانية والأوروبية، حيث تتهمها واشنطن بدعم برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانى، وتصفها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها من أبرز خطوط الشحن المستخدمة فى أنشطة انتشار الأسلحة.
وتشير بيانات التتبع إلى أن السفينة كانت عائدة من ميناء صينى متخصص فى المواد الكيميائية فى مدينة تشوهاى، محملة بشحنة غير معروفة، وسط ترجيحات بأنها قد تتضمن مواد تدخل فى تصنيع وقود الصواريخ مثل بيركلورات الصوديوم دون تأكيد رسمى لطبيعة الحمولة.
سياسياً، أعلن البيت الأبيض أن نائب الرئيس جى دى فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيشاركون فى محادثات إسلام آباد المرتقبة التى قد تبدأ وتمتد حتى اليوم بالتزامن مع انتهاء وقف إطلاق النار
لكن وسائل إعلام إيرانية نقلت أن طهران رفضت المشاركة فى الجولة الثانية من المحادثات بسبب ما وصفته بالمطالب الأمريكية المفرطة والتغير المستمر فى المواقف واستمرار الحصار البحرى الذى تعتبره خرقاً مباشراً للهدنة.
ورغم ذلك، لا يزال القرار النهائى غير محسوم، إذ سبق أن صدرت مواقف مماثلة قبل الجولة الأولى التى عقدت فى باكستان ثم عادت إيران وشاركت فيها لاحقاً.
وفى تصريحات لشبكة إيه بى سى، قال السفير الأمريكى لدى الأمم المتحدة إن مستقبل وقف إطلاق النار يعتمد بشكل كبير على نتائج هذه المحادثات، مؤكداً أن ترامب مستعد للتصعيد أو التهدئة بحسب الظروف بما فى ذلك اعتراض السفن الإيرانية حتى فى مناطق بعيدة مثل المحيط الهادئ.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 20 ألف بحار عالقون على متن سفن متوقفة بسبب التوترات، فى وقت أكد فيه وزير الطاقة الأمريكى أن المرور عبر مضيق هرمز لا يزال غير آمن رغم جاهزية السفن لاستئناف الحركة فور التوصل إلى اتفاق.
وأضاف أن الولايات المتحدة قادرة على فتح المضيق بالقوة إذا لزم الأمر، لكنه شدد على أن الحل الأفضل يبقى فى إنهاء النزاع والتوصل إلى اتفاق يضمن نزع سلاح إيران.


















0 تعليق