ذكريات شم النسيم

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 17/أبريل/2026 - 06:21 م 4/17/2026 6:21:53 PM

لم يكن هذا اليوم بالنسبة لطفولتنا المبكرة في مطلع الستينات من القرن الماضي يوما صاخبا او مصحوبا بطقوس باقي سكان الكوكب المصري فبرغم ان العريش مدينة ساحلية لكننا لم نكن ننعم بهذه الميزة ولا نظفر برحلة للقناطر الخيرية كأهل القاهرة وما حولها ولاحتى جلسة عائلية في وسط الغيطان كسكان الدلتا ...فقد اخترعت لنا السيدة" وهيبة " ياسمين" طقسا خاصا حيث تفتق ذهنها ان تصنع لنا عريشة من جريد النخيل  فوق سطح الغرفة البحرية  وتفرشها بما تيسر من الكليمات المزركشة والتي كانت تصنعها عند ابو الحسن صاحب النول اليدوي من بقايا القماش والملابس القديمة....وتضع السلم الخشبي لنا لنصعد الى السطح بعد ان تزودنا بالبيض المسلوق والذي كانت تلونه بان تغليه مع اوراق شجر الزيتون والجوافة فهذه هي وسيلتها فهي لاتملك علبة الالوان ...وبعض من الطعمية المنزلية التي تقوم بعملها من الالف الى الياء الى جانب الخضروات والبصل الاخضر الذي غالبا مايكون مزروعا في احد اركان الدار وهكذا كان يتم الاحتفال صباحا ...ومرت السنين وكانت حرب يونيو ١٩٦٧ وسنوات المقاومة... وافقنا على حفلات عبد الحليم حافظ وزي الهوا حيث بدأت فترة المراهقة مبكرا واختلفت الطقوس وبدأنا ننتظر ليلة شم النسيم ونعد لتلك السهرة  ربما اكثر من ليلة العيد حيث يجتمع الاصدقاء لسماع حفلة العندليب فقد كان وصول الارسال التليفزيوني صعب المنال ونحن في زمن الاحتلال الاسرائيلي ...وبرغم ان شاطئ  العريش كانت كل شاليهاته والتي كانت تسمى كبائن... مهجورة وشبه مهدمة ومعظم اصحابها هجروها الى القاهرة بسبب الحرب وحتى لو كان اصحابها يعيشون في المدينة فقد كان من الصعب الاقامة فيها حيث لايوجد اي مرافق او مظاهر للحياة...ومع هذا كانت تمتلئ عن اخرها في هذا اليوم ناهيك عن كم الخيام التي يتم نصبها تحت النخيل والشماسي التي يعانق بعضها بعضا...فهذا يوم عيد الشباب وبرغم السهر حتى قرب الفجر فيكفي ساعتين او ثلاثة من الراحة لنبدأ يوما حافل بالغناء والرقص والسباحة ولعب كرة المضرب"الركت"... ولأن هذا اليوم كان يسمى يوم الزينة عند الفراعنة  فقد كان الفتيات يلبسون احمل الثياب التي تناسب عيد الربيع مما يضفي على اليوم بهجة... ولاشك ان هذا الزمن كان يحمل في طياته موجات عفية من الرومانسية الحالمة التي كانت تداعب اوتار قلوب العذارى والشبان وتعتصر قلوبهم كلمات اغاني معبود الجماهير مع الحان بليغ حمدي وكلمات محمد حمزة من زي الهوا الى موعود فمداح القمر الى عبقرية حاول تفتكرني واي دمعة حزن لا... ثم رسالة من تحت الماء وفاتت جنبنا... ونبتدي منين الحكاية والخاتمة بقارئة الفنجان وكل واحدة من تلك الاغنيات كان لها سهرة وليلة من ليالي العمر وحكايات.. ويليها نهار على شاطئ الاحلام المهجور وذكريات مازلت محفورة في الوجدان...الى ان انتقلنا الى القاهرة وللاسف بدلا من ان نحضر حفل عبد الحليم حضرنا جنازته ...ولكن الاحلام لم تمت والحب مازال يعيش فينا فالربيع وصوت حليم صنوان يصنعان البهجة ...وكان لابد ان نلحق مافات ففي اول عيد شم نسيم بالقاهرة زرنا القناطر الخيرية ولكن قبلها طوفنا بحديقة الاورمان فهي امام الجامعة وقد دسناها ممر ممر وحجر  حجر لنستعيد كل رقصات واحداث " خلي بالك من زوزو" واغنيتها الاشهر التي تعيش معنا حتى الان بعد اكثر من نصف قرن "الدنيا ربيع" السندريلا سعاد حسني التي كنا نعشقها فنا وروحا وصوتا وجمالا... والغريب انك لاتحس بحلاوة شم النسيم الان الا عندما ترى وتسمع تلك الاغنية بهذا الكم من الملابس الزاهية والورود المبهجة لأقدم حديقة بالقاهرة والتي كان ينطلق منها مهرجان الربيع كل عام باجمل باقة من الورود....تتلخص عبقرية هذا اليوم في انه يوم عيد مشترك للمسيحين والمسلمين  وله نفس الطقوس في نوعية الاكل والاحتفال   ولم يحدث ابدا ذلك الاستقطاب المزعوم بأنه ليس عيدا للمسلمين الا بعد الغزو الوهابي الذي اجتاح مصر اواخر السبعينات من القرن الماضي...فقد كانت مصر منذ ثورة ١٩١٩ روحين في جسد واحد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق