حثت الشريعة الإسلامية في كثير من مقاصدها وأحكامها على عبادة جبر الخواطر، فجبر الخواطر يتحقق به التآلف والتماسك وتطيب النفوس، ونزع الأحقاد من القلوب، ولا شك أن ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة.
ولقد ذكر ذلك في كثير من النصوص سواء في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية.
كفالة اليتيم
ومن أحد أهم مظاهر جبر الخواطر التي تحدثت عنها الذكر الحكيم والسنة المطهرة هي "كفالة اليتيم"، فقد جاء ذكر اليتامى في القرآن الكريم في إحدى وعشرين آية، فقد رفع الله تعالى قدر الإحسان إلى اليتامى وجعلها من أعظم أعمال البر ووضعها جنبا إلى جنب مع أركان الإيمان، وجاء ذلك في الآية التي جمعت الدين كله، فقال الله تعالى:
(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة: ١٧٧
فإن كان الله تعالى قدر على بعض الناس أن يقبض أعمارهم ويتركوا خلفهم ذرية ضعفاء، يتذوقوا طعم اليتم والحرمان وفقدان الأب وهم في حداثة سنهم قبل بلوغهم، وهم في ضعف قوتهم وقلة حيلتهم، إلا أن الله تعالى طيب خاطرهم واحتفى في كتابه الكريم أشد الاحتفاء باليتيم، وأمر بكفالته والبر به والإحسان إليه، ونهى عن أكل ماله بغير حق، أو قهره: {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: ٩
(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء: ٣٤.
فجعل الله تعالى جزاء آكل مال اليتيم بغير وجه حق مثله مثل آكل الربا، فقال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} (النساء: ١٠
ثم تأتي السنة النبوية المطهرة بعد القرآن الكريم لتؤكد هذه المعاني وتحض بدورها على فضل كفالة اليتيم ووجوب الإحسان إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بأصبعيه يعني: السبابة والوسطى. (رواه البخاري ٦٠٠٥).
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة كافل اليتيم في الجنة في صحبته ومعيته صلى الله عليه وسلم، وهي مكانة علية ومنزلة بهیة، بأن يفوز من كفل وحنا وأحسن وبر باليتيم مرافقا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولمن فقد أباه أو أمه في صغره نقول له: لك في خير خلق الله الأسوة الحسنة، فقد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم يتيما، فقد مات أباه قبل أن يولد، ثم ماتت أمه وهو في عمر ست سنين، فتجرع صلوات ربي وسلامه عليه مرارة اليتم مرتين: بفقد الأب قبل أن يولد، ثم مرارة فقد الأم وهو لم يبلغ أشده وقوته بعد، ولكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطيب الله تعالى خاطره وكفله، فيقول له عز من قال: {ألم يجدك يتيما فآوىٰ} (الضحى: ٦)، أي جعل الله تعالى مأوى ومنزلة ينزلها في كفالة جده ثم عمه.
فاعلم يا ولدي أن من خلقك وقدر عليك أن تكون يتيما لن يضيعك أبدا، فالله أرحم بعبده وأعلم به.
ويا كافل اليتيم، أبشر بمنزلتك ومعيتك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بقلم ثروت عبد اللطيف سرحان عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية


















0 تعليق