الطريقة الوحيدة للقراءة عند بورخيس

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صدر، مؤخرًا، كتاب «تاريخ الخلود» للأرجنتينى بورخيس «١٨٩٩- ١٩٨٦»، أحد أحب الكتاب إلى قلبى، بترجمة لرضوان ناصح وعبدالكريم العلمى، وهو عبارة عن دراسات ومقالات تدور حول اهتمامات الكاتب الكبير المعهودة، مثل الزمن والخلود وألف ليلة والشعر والترجمة والقراءة.

بورخيس كان يعتبر نفسه قارئًا فى الأساس، وأنه تجرأ على الكتابة، وكان يرى أن ما قرأه أهم بكثير مما كتبه، فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، إنما ما يستطيعه. 

يقول فى الكتاب، الذى صدر عن دار الجمل، إنه كان ينصح طلابه بما نصحه به والده «أن يقرأوا كثيرًا قبل كل شىء، وأن ينظروا إلى القراءة كمتعة وليس واجبًا». ويضيف: أعتقد أن عبارة «قراءة إلزامية» هى تناقض لفظى، فالقراءة لا ينبغى أن تكون إلزامية، لا يمكن الحديث عن «متعة إلزامية»، لماذا؟ لأن المتعة ليست إلزامية، بل هى شىء نبحث عنه، وكذلك الأمر مع «السعادة الإلزامية»، فالسعادة أيضًا نبحث عنها.

بورخيس، الذى درس الأدب الإنجليزى لمدة عشرين عامًا فى كلية الفلسفة والآداب بجامعة بيونس أيرس، كان ينصح طلابه: إذا مللتم من كتاب، اتركوه، لا تقرأوه لأنه مشهور، لا تقرأوا كتابًا لأنه حديث، لا تقرأوه لأنه قديم، إذا كان الكتاب مملًا بالنسبة لكم، اتركوه، حتى لو كان ذلك الكتاب هو «الفردوس المفقود»، وهو ليس مملًا بالنسبة لى، أو «دون كيشوت»، وهو أيضًا ليس مملًا بالنسبة لى، لكن إذا كان الكتاب مملًا بالنسبة لكم، فلا تقرأوه، فهذا الكتاب لم يُكتب من أجلكم، يجب أن تكون القراءة شكلًا من أشكال السعادة.

ما أنصح به أولئك القراء المحتملين لوصيتى، التى لا أنوى كتابتها، أن يقرأوا كثيرًا، وألا يخافوا من سمعة المؤلفين، وأن يقرأوا بحثًا عن سعادة شخصية، متعة شخصية، هذه هى الطريقة الوحيدة للقراءة. وإلا، فإننا نسقط فى حزن الببليوغرافيات، والاقتباسات، وفلان، ثم قوسان، ثم تاريخان يفصل بينهما شرطة، ثم، على سبيل المثال، قائمة بالكتب التى كتبها أولئك الذين كتبوا عن ذلك المؤلف، وكل ذلك بؤس.

ويقول أيضًا إنه لم يعط طلابه سيرة ذاتية قط «قلت لهم: لا، لا تقرأوا أى شىء مما كُتب عن فلان، لم يقرأ شكسبير سطرًا واحدًا عما كُتب عنه وكتب مسرحياته، لقد امتحنتُ طلابًا لمدة عشرين عامًا فى كلية الفلسفة والآداب، وأفتخر بأحد الأمور القليلة فى حياتى: لم أطرح سؤالًا قط، كنت أقول لطلابى: «تحدثوا إلينا، مثلًا، عن الدكتور صمويل جونسون، تحدثوا عن الشعر الأنجلوسكسونى، تحدثوا عن شكسبير، تحدثوا عن أوسكار وايلد، تحدثوا عن شو، وتكلموا، قولوا ما تفكرون به، أعدكم بعدم مقاطعتكم، أعدكم بعدم توجيه سؤال واحد أو سؤالكم عن تاريخ واحد لأننى شخصيًا لا أعرفها وستنكشف جهالتى، لكن تحدثوا إن كان الموضوع يثير اهتمامكم»، وهكذا قدّموا امتحانات ممتازة، بينما هناك أساتذة أغبياء جدًا يطرحون أسئلة، لأنهم لا يعرفون كيف يمتحنون.

من المفارقات الغريبة عن علاقتى بأعمال بورخيس أننى قرأت له أكثر من عمل فى منتصف التسعينيات، وكنت مندهشًا من الحفاوة بكتاباته، ولكن بعد أن قرأت كتاب «مساء عادى فى بيونس آيرس» لويلس بارنستون، مترجم أعماله الأمريكى وصديقه، فتحت أمامى أبواب صاحب المرايا والمتاهات، والألف، وعدت إلى الأعمال التى لم ترق لى مرة أخرى، لأبدأ رحلة ممتعة لا تخلو من مفاجآت سارة، ولذلك حين يصدر كتاب له أو عنه، لا أتردد فى الحصول عليه، هو يقول: عندما بدأت الكتابة، كنت أقول على الدوام لنفسى إن أفكارى سطحية جدًا، وإن القارئ سيزدرينى إذا ما اطلع عليها، ما الذى يعنيه بالنسبة لى أن أكون كاتبًا؟ يسأل بورخيس ويجيب: يعنى ببساطة أن أكون مخلصًا لمخيلتى، عندما أكتب شيئًا لا أطرحه على أنه حقيقى موضوعيًا، فالموضوعى الخالص هو حبكة من الظروف والأحداث، وإنما حقيقى لأنه وفى لشىء أعمق. عندما أكتب قصة، أكتبها لأنى مؤمن بها: ليس كما يؤمن أحدنا بشىء تاريخى محض، وإنما بدقة أكبر، مثلما يؤمن أحدنا بحلم أو بفكرة.

وكان يقول أيضًا إذا كان لا بد من توجيه نصيحة إلى كاتب ما «ولا أظن أن أحدًا يحتاجها، لأن كل واحد عليه أن يتعلم بنفسه»، فإننى أقول له ببساطة ما يلى، أدعوه إلى الإقلال قدر الإمكان من تنقيح عمله، سئل مرة: لماذا لا تكتب رواية؟ أجاب: الكسل، بالطبع، هو التفسير الأول، ولكن يوجد تفسير آخر، فأنا لم أقرأ رواية قط دون أن ينتابنى إحساس بالملل، فالرواية تتضمن مادة حشوة، وأظن، من خلال معرفتى، أنه يمكن لمادة الحشو أن تكون جزءًا جوهريًا من الرواية، ويضيف: عندما أكتب، لكننى ربما لا أكون مثالًا جيدًا وإنما تحذير مروع فقط، أحاول أن أنسى كل شىء عن نفسى. أنسى ظروفى الشخصية، لا أحاول، مثلما حاولت فى إحدى المرات، أن أكون «كاتبًا أمريكيًا جنوبيًا». وإنما أحاول نقل الحلم وحسب. وإذا كان الحلم مشوشًا «وهو يكون كذلك عادة فى حالتى»، لا أحاول تجميله، ولا حتى فهمه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق