التوجيه الرئاسى وحده لا يكفى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى استجابة محمودة - معتادة - من الرئيس عبد الفتاح السيسى لأصداء الرأى العام بعدما سادت أجواء الحزن والألم انعكاسًا لخبر انتحار سيدة الإسكندرية، وجه سيادته مشكورًا الحكومة المصرية بسرعة تقديم مشروعات قوانين الأسرة المصرية إلى مجلس النواب، وهى مشروع قانون الأسرة المسلمة، مشروع قانون الأسرة المسيحية، ومشروع قانون صندوق دعم الأسرة، وهو ما يتطلع إليه المجتمع المصرى وفى المقدمة منه أصحاب المصلحة الآملين فى المزيد من عدالة الحقوق من وراء تعديل القوانين الحالية، والتى يعود أصلها إلى القانون رقم 25 لسنة 1920، ومن بعده تحديثاته المتوالية القانون رقم 25 لسنة 1929، القانون رقم 1 لسنة 2000، القانون رقم 10 لسنة 2004 بإنشاء محاكم الأسرة، وأخيرًا القانون رقم 11 لسنة 2004 بإنشاء صندوق التأمين على الأسرة، وقد أتت التحديثات جميعها لعلاج عوارض طرأت فى زمانها أكثر منها إعادة تأسيس لواجبات وحقوق تفى بمستجدات المجتمع المصرى على مدار أكثر من 100 عام!

فإذا رصدنا أهم التعديلات المنتظرة فى مشروع قانون الأسرة المسلمة، نجدها تتلخص فى ملفات الحضانة والاستضافة بحيث يرتقى حق الأب فى الحضانة إلى المرتبة الثانية بعد الأم مباشرة - حاليًا فى حالات معينة قد يصل موقعه إلى المرتبة الـ16 من ذوى الحق فى الحضانة - وتفعيل نظام الاستضافة والمبيت بدلًا من مجرد حق الرؤية لوقت محدد قد لا يتجاوز ساعتين بمكان عام، وملف سن الحضانة وخلاف وجهات النظر فيه ما بين رأى مع تثبيت السن 7-9 سنوات أو ما يُسَمَى بسن التمييز فى القانون بما يسمح للأطفال باختيار استمرار حضانة الأم أو اختيار حضانة الأب والرأى الآخر ينحاز إلى مد سن الحضانة إلى 15 عامًا. 

ثم ملف هام جدًا عنوانه توثيق الزواج والطلاق توثيقًا رسميًا، وبحيث لا يُعْتَد بالطلاق الشفهى إلا فى حالة إثباته رسميًا، ومع إلزام الزوج بإخطار زوجته رسميًا بالطلاق، وملف قائمة المنقولات والنفقة والمقترح فيه رد قائمة المنقولات إلى الزوج فى حالة الخلع واعتبار تبديدها جنحة مدنية وحصر قضايا النفقة كلها فى قضية واحدة أمام قاضٍ واحد ضمانًا لسرعة الفصل فيها، وأخيرًا ملف حماية حقوق المرأة والطفل من خلال إنشاء صندوق دعم الأسرة المصرية بما يؤمن احتياجاتهما لحين الفصل فى قضايا النفقة.

على الناحية الأخرى فإن أهم التعديلات المنتظرة فى مشروع قانون الأسرة المسيحية تتعلق بملفات المساواة فى الميراث، والحق فى الحضانة، والتنظيم الواضح لإنهاء الزواج، وقد أجمعت الطوائف الدينية المسيحية على مشروع قانون الأسرة المسيحية وفى انتظار عرضه على مجلس النواب.

هل يكفى التوجيه الرئاسى وحده ضمانًا لتحقيق النتائج المرجوة من وراء خروج القوانين الجديدة إلى النور؟

مؤكد هو صمام أمان صدور هذه القوانين فى أسرع وقت ممكن، لكن هذا لا يمنع - أولًا - قلق العجلة فى إنجازها لمجرد الوفاء بتوجيهات رئيس الجمهورية فتخرج حاملة من العوار ما يعيق تفعيلها واقعًا على الأرض، ثم - ثانيًا - وهو الأهم فى تقديرى ضمانات عدالة تطبيق القوانين الجديدة بعد خروجها إلى النور.

كل شىء فى حياتنا ثقافة، وتغيير الثقافة بطبيعته يأخذ وقتًا طويلًا، وكلنا يعلم أن تطبيق أى قانون أصعب بمراحل من صدوره، فما بالك ونحن نتحدث عن قوانين لها أبعاد دينية وأخلاقية وتربوية وتعليمية شاب ما شاب المجتمع المصرى من تشوهاتها المتراكمة الكثير على مدار عمر قانون الأحوال الشخصية الصادر فى أصله سنة 1920، أكثر من 100 عام، ولعل ما أصاب المجتمع المصرى من تشوهاتها فى سنوات ما بعد ثورة يناير، نحو 15 عامًا مضت، وزنه وحده أكبر وأقصى وأقسى وأكثر تأثيرًا مما أصابه منها على مدى عقود طويلة سابقة عليها، فلا تَعْتَقِدَنَّ أن الكفاية فى صدور القانون، ولا حتى فى سهولة إجراءات تطبيقه، وإنما الكرة من الآن فى ملعبنا جميعًا. 

كلنا مسئولون عن إعادة صياغة وتقويم الشخصية المصرية فى ثقافتها وسلوكها، ولنتجرد فى هذا - أولًا - من أى وكل ملامح تمييز طالما وصمت هذه الشخصية، قبل أن نجتهد معًا - ثانيًا - فى استعادة قيم نبيلة افتقدناها تباعًا فى مواجهة ضغوط الحياة المتزايدة، ومن أهمها قيمة الأسرة، والتى لا يجب أن تنتفى بوقوع انفصال الزوجين، فهو أمر وارد وطبيعى طول الوقت، ولكن الأصول يجب أن تظل حية وراسخة، وهى تقتضى أن يقوم كلا الطرفين بمسئولياته أمام أولاده، وخاصة الأب، رب الأسرة، القَّوام عليها، المفترض أن الدفة بيده طول الوقت وخاصة وقت الخلاف، ودونما انتظار لإجراءات قانونية ملزمة يظل قادرًا على التحايل عليها فى ظل أى قانون طالما انتوى ذلك. 

مجتمعنا تسوده حالات انفصال عديدة حد الظاهرة رفع فيها الأب يده تمامًا عن أى وكل التزام لدرجة إهمال وتجاهل أنه أنجب أصلًا، تاركًا أولاده وأمهم فى مهب الريح، وهو ليس من سمات الرجولة بأى حال من الأحوال، ولا ينفى هذا اختيار الزوجين - فى حالات عديدة أخرى - الاستمرار لمجرد الحفاظ على روابط الأسرة حرصًا على سلامة ومستقبل أولادهم، أو حتى الانفصال مع التوافق على حفظ هذه الروابط تحقيقًا لنفس الهدف، سلامة الأبناء وتأمين مستقبلهم، وهو الهدف الأسمى دائمًا أو لا بد أن يكون، حفاظًا على سلامة المجتمع المصرى كله.              

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق