تُدار بأسماء شباب من المستقطبين الجدد لإخفاء الهوية الحقيقية للممولين والقيادات
تتنوع نشاطاتها بين الإعلام والاستيراد والتصدير وتجارة الأغذية والجمعيات الحقوقية
تعمل على غسل الأموال وإعادة ضخها تحت غطاء تجارى يبدو مشروعًا
الهدف صناعة طبقات من الواجهات لـ«تصعيب» مهمة الجهات الرقابية
تستغل العاملين فى مجالات المونتاج والإخراج والتصميم وإدارة الحسابات الرقمية
باتت التنظيمات الإرهابية، وفى القلب منها جماعة الإخوان، على وقع الضربات الأمنية، تستند إلى استراتيجية «الواجهات الورقية»، عبر إنشاء شبكات معقدة من الكيانات التجارية الصورية والشركات الوهمية التى تخلو من أى نشاط قانونى ملموس، وذلك لتدوير الأموال وتمرير التحويلات المشبوهة عابرة الحدود.
وتتنوع هذه القطاعات بين الإعلام، والاستيراد والتصدير، وتجارة الأغذية والأدوية، وحتى الجمعيات الحقوقية؛ وتُدار من خلال «أسماء مستعارة» لموظفين أو شباب حسن النية لإخفاء الهوية الحقيقية للممولين والقيادات، وضمان غسل الأموال وإعادة ضخها تحت غطاء تجارى يبدو مشروعًا. وتفتح «الدستور» هذا الملف الشائك مستندة إلى شهادات خبراء ومتخصصين فى شئون الحركات المتطرفة؛ لترصد بالتحليل والمعلومات خريطة هذا الاقتصاد السرى وآليات تفكيكه، بدءًا من ثغرات الفواتير الصورية والصفقات التكنولوجية، مرورًا بتوظيف الشركات الحقوقية والإعلامية فى الخارج، وصولًا إلى المساعى الأمنية والقضائية المستمرة لملاحقة المستفيد الحقيقى.
تصدر فواتير صورية لتدوير التدفقات المالية وإخفاء مسار التحويلات
قال صبرة القاسمى، الخبير فى شئون الجماعات الإرهابية، إن الواجهات الورقية باتت تمثل ستارًا للتمويل وسلاحًا خفيًا لتدوير الأموال عبر الشاشات والكيانات الوهمية، موضحًا أن شبكات التمويل العابرة للحدود والكيانات التجارية المستعارة أصبحت من أبرز أدوات الأنشطة غير المشروعة والتنظيمات المحظورة، خاصة مع تشديد الأجهزة الأمنية قبضتها على مصادر التمويل التقليدية وإحباط تحركاتها.
وأضاف «القاسمى» أن بعض الكيانات الصورية تُؤسس بشكل قانونى وتحصل على تراخيص وسجلات تجارية فى مجالات متعددة، مثل الإنتاج الفنى والدعاية والإعلان والاستيراد والتصدير والاستشارات التكنولوجية، بينما لا يكون لها فى الواقع نشاط تجارى ملموس أو مقر فعلى، وتقتصر وظيفتها على إصدار فواتير صورية وتدوير تدفقات مالية معقدة بهدف إخفاء المصدر الحقيقى للأموال ومسارات انتقالها.
وأشار إلى أن إحدى الحيل المستخدمة تتمثل فى نظام الأسماء المستعارة، إذ لا تظهر القيادات أو الأطراف المحظورة فى الأوراق الرسمية، وإنما تُسجل الشركات بأسماء موظفين صغار أو شباب مستقطبين أو معارف وحسنى النية، بما يسمح بإخفاء المستفيد الحقيقى خلف طبقات من الواجهات القانونية، ويصعب مهمة الجهات الرقابية فى الوصول إلى صاحب القرار، والممول الفعلى.
وكشف عن أن الأموال يمكن أن تتحرك تحت غطاء دفعات مالية مقابل خدمات استشارية أو شراء حقوق بث وتوزيع فنى أو تنفيذ عقود صيانة وتوريدات إلكترونية، فتخرج من حسابات رسمية فى صورة معاملات تجارية تبدو مشروعة، بينما قد تكون فى حقيقتها جزءًا من عمليات غسل أموال أو تحويلات تهدف إلى توفير الدعم اللوجستى لأنشطة محظورة، وهو ما يجعل تتبع مسار الأموال عنصرًا أساسيًا فى كشف الشبكات المالية.
ولفت إلى أن خطورة هذه الواجهات لا تتوقف عند نقل الأموال، وإنما قد تمتد إلى استغلال الشباب وأصحاب المهن الحرة، خاصة العاملين فى مجالات المونتاج والإخراج والتصميم وإدارة الحسابات الرقمية، إذ قد يتم استقطاب بعضهم للعمل بعقود مجزية دون إدراك طبيعة النشاط الحقيقى للجهة التى يعملون معها، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام شبهات قانونية بسبب خدمات أو تحويلات تمت من خلالهم.
وبين أن تقديم خدمات فنية أو إجراء تحويلات مالية عبر حسابات شخصية لصالح كيانات محظورة قد يرتب مسئولية جنائية متى توافرت عناصر الجريمة وثبت العلم بطبيعة النشاط، موضحًا أن قواعد الإثبات والقوانين المنظمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتيح التعامل مع بعض هذه الأفعال باعتبارها مساهمة أو تسهيلًا لنشاط غير مشروع، وهو ما يفرض على المتعاملين التأكد من هوية الجهات التى يتعاملون معها ومصدر الأموال.
وشدد «القاسمى» على أن المواجهة لم تعد تقتصر على ملاحقة الأفراد، وإنما اتجهت إلى تتبع الأثر المالى، ورصد المستفيد الحقيقى من الشركات والمعاملات، إلى جانب تحليل أنماط التحويلات المشبوهة، خاصة الحسابات التى تستقبل مبالغ كبيرة ثم تعيد تدويرها فى صورة تحويلات صغيرة أو سحوبات نقدية متكررة دون نشاط تجارى واضح.
وأكد أن تفكيك الواجهات الورقية ليس معركة أمنية وقضائية فقط، بل مسئولية مجتمعية ومؤسسية تتطلب وعى أصحاب الأعمال والشباب العاملين فى الإعلام والدعاية والتكنولوجيا، والتدقيق فى هوية الجهات التى يتعاملون معها ومصادر تمويلها، حتى لا تتحول أعمالهم المشروعة إلى غطاء لأنشطة غير مشروعة.
«راعى الجماعة» يؤمِّن هويات وجنسيات لعناصر التنظيم الدولى
كشف الباحث السياسى حسام الغمرى عن أن جماعة الإخوان اعتادت، عقب استقرار بعض عناصرها فى دول مختلفة، على تأسيس شركات بأسماء هؤلاء العناصر، وجمعيات تتخذ أحيانًا طابعًا حقوقيًا أو إغاثيًا، مشيرًا إلى أن الهدف من هذا يتجاوز النشاط التجارى إلى توفير غطاء قانونى لحركتهم وتواجدهم.
وأشار «الغمرى» إلى أن بعض الشركات المرتبطة بعناصر إخوانية يمكن أن تمارس نشاطًا حقيقيًا، خاصة فى مجال الإنتاج الإعلامى، بينما تكون شركات أخرى مجرد واجهات ورقية لا تمارس نشاطًا فعليًا، وإنما تستخدم لتبرير الإقامة أو الحصول على جنسيات، فضلًا عن توفير مسارات لحركة الأموال بين الدول والكيانات المختلفة.
وأضاف: «هذه الواجهات قد تؤدى أدوارًا متعددة، من بينها توفير غطاء لتحركات الأموال، وإضفاء صفة قانونية على تحويلات مالية، فضلًا عن استخدامها فى بعض الحالات كوسيلة لدعم أنشطة إعلامية ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعى تهاجم الدولة المصرية، وتتبنى خطابًا تحريضيًا».
وواصل: «بعض الكيانات التى تقدم نفسها باعتبارها منظمات حقوقية أو خدمية قد لا تمتلك فى الواقع مقرات أو موظفين أو نشاطًا ملموسًا، وإنما تظل موجودة فى صورة سجلات قانونية»، لافتًا إلى أن هذه الصيغة تمنح القائمين عليها مبررًا ظاهريًا للتحرك وإطلاق منصات إعلامية أو رقمية تخدم أهداف التنظيم.
وأشار إلى أن تعدد الأشكال القانونية يساعد على خلق شبكة يصعب معها تحديد النشاط الحقيقى لكل كيان، أو الفصل بين النشاط الاقتصادى المعلن والأهداف التنظيمية التى تقف خلفه.
وقال إن بعض الوسطاء الماليين يستفيدون من تلك الشركات فى تمرير الأموال إلى عناصر أو شبكات مرتبطة بالإخوان فى دول أوروبية مختلفة، مشددًا على أن فحص هذه الشركات والكيانات لا ينبغى أن يقتصر على الشكل القانونى أو النشاط المعلن، وإنما يجب أن يمتد إلى طبيعة نشاطها الفعلى، ومصادر تمويلها، وحجم التحويلات التى تجريها، وعلاقات القائمين عليها بالشبكات التنظيمية والإعلامية.
تشمل جمعيات حقوقية لا تمارس أى نشاط
شدد الدكتور طارق أبوالسعد، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة، على أن جماعة الإخوان الإرهابية طوال تاريخها استخدمت كيانات وأسماء متعددة لتغطية أنشطتها المالية والتنظيمية، وهو ما يعد جزءًا من منظومة أوسع تستهدف إخفاء مسارات الأموال.
وأوضح «أبوالسعد» أن «راعى الجماعة» يمتلك القدرة على توفير هويات وجنسيات مختلفة لعناصر التنظيم، خاصة المرتبطين بالتنظيم الدولى، بما يساعدهم على التحرك وتجنب الملاحقة القانونية، موضحًا أن عناصر الجماعة تتعاون مع جهات استخباراتية كثيرة.
وقال إن الشركات تمثل إحدى الأدوات التى يمكن استخدامها لتوفير غطاء لنقل الأموال إلى فروع الجماعة المختلفة، وتمويل أنشطتها المتنوعة، مشيرًا إلى أن هذه الأنشطة تشمل الإنفاق على النشاط الإعلامى، ودعم عناصر الجماعة، وأسر المحبوسين منهم، إلى جانب أنشطة أخرى مرتبطة بالبنية التنظيمية.
ولفت إلى أن بعض الأنشطة الإعلامية قد تعتمد على شركات تبدو فى ظاهرها كيانات اقتصادية طبيعية، ولها حسابات مالية ومجالس إدارة وتراخيص وعاملون، لكن جزءًا من هذه الكيانات يمكن أن يستخدم كغطاء لنشاط تنظيمى وإعلامى، لافتًا إلى أن وجود أعداد من المنتمين للجماعة داخل هذه المؤسسات يتيح توظيفها لخدمة أهداف محددة.
وواصل: «الجماعة تعتمد كذلك على (الدكاكين الحقوقية) فى أوروبا، إذ يمكن إنتاج مواد قانونية وحقوقية من خلال مكاتب أو ناشطين محسوبين عليها، ثم إعادة تقديم هذه المواد عبر منصات إعلامية باعتبارها صادرة عن مراكز أوروبية مستقلة، قبل أن تنتقل إلى القنوات والبرامج والبودكاست لتوسيع نطاق انتشارها».
وذكر أن هذه المنظومة تقوم على تداخل الأدوار بين الشركات والأنشطة الحقوقية والإعلامية، بما يسمح بإعادة تدوير الأموال والمعلومات عبر أكثر من قناة، وضرب مثالًا بوجود شركات اقتصادية تستورد بضائع وتبيعها ثم تستخدم العائدات فى نقل الأموال إلى عناصر أو أسر تابعة للجماعة، معتبرًا أن بعض هذه الأساليب قد يكون بسيطًا، بينما يتسم بعضها الآخر بالتعقيد بهدف إخفاء مصدر التمويل ومساراته النهائية.
بعض الأموال يُحوَّل لحسابات لا توجد عليها علامات أمنية
ذكر الدكتور مصطفى أمين، الخبير المتخصص فى شئون الحركات المتطرفة، أن استخدام جماعة الإخوان للشركات والكيانات الوهمية لإخفاء مصادر التمويل ومسارات تحويل الأموال، ليس أسلوبًا جديدًا، مشيرًا إلى أن الجماعة اعتادت تأسيس كيانات بأسماء مختلفة لإخفاء مصادر أموالها واستثمارها بعيدًا عن الملاحقات الأمنية.
وأوضح «أمين» أن «الإخوان» ركزت فى نشاطها الاقتصادى على ٣ قطاعات رئيسية، فى مقدمتها تجارة الأغذية وقطاع التجزئة، لافتًا إلى أن الجماعة لم تكن منخرطة بصورة كبيرة فى إنشاء صناعات إنتاجية، وإنما اعتمدت على النشاط التجارى كوسيلة لاستثمار الأموال وتحريكها داخل السوق.
وأشار إلى أن قطاع الأدوية كان أحد المجالات المهمة التى توسعت فيها الجماعة، سواء من خلال تجارة الأدوية أو المستلزمات الطبية والمكملات الغذائية، مشددًا على أن النشاط وفر للجماعة مساحة واسعة لإدارة أموالها تحت غطاء تجارى يصعب ربطه بصورة مباشرة بمصادر التمويل التنظيمية.
وأضاف أن قطاع التعليم مثل أحد أبرز مجالات استثمار أموال الجماعة، إذ ضخت جزءًا كبيرًا من الأموال التى حصلت عليها من الاشتراكات والتبرعات فى إنشاء المدارس والتوسع فيها، إلى جانب الجمعيات الخيرية والطبية التى انتشرت فى المناطق الشعبية ومناطق نفوذ الجماعة، واستخدمت فى جمع موارد مالية واستثمارها.
وذكر أن بعض الأموال كان يحوَّل إلى حسابات مصرفية بأسماء عناصر لا توجد عليها علامات أمنية، ثم يجرى السحب منها لصالح الجماعة، وفق ترتيبات وضمانات داخلية تتيح التحكم فى هذه الحسابات، لافتًا إلى أن قضية «السبيل» التى ظهرت فى تسعينيات القرن الماضى تعد من أبرز القضايا التى كشفت عن جانب من هذه الآليات.
وقال إن حجم الأنشطة التجارية والاقتصادية المرتبطة بالجماعة أصبح أكثر وضوحًا بعد ٣٠ يونيو، بعدما تكشفت طبيعة الكيانات التى كانت تُستخدم لإخفاء الأموال، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الأموال السائلة جرى تهريبه إلى الخارج، خاصة إلى تركيا ودول أخرى، بينما خضع جزء آخر داخل مصر لإجراءات التحفظ والمصادرة.
ولفت إلى أن بعض الكيانات الصغيرة والأنشطة التجارية محدودة الحجم ما زال يمثل إحدى الأدوات التى يمكن من خلالها إخفاء الموارد المالية المرتبطة بالجماعة، إلى جانب الأموال التى يجرى تحريكها عبر عناصر موجودة فى الخارج.
الاستفادة من العملات المشفرة للابتعاد عن المسارات المالية التقليدية
حذر الدكتور طارق فهمى، الخبير السياسى، من أن جماعة الإخوان تعتمد على ما يمكن وصفه بـ«الاقتصاديات الخفية»، من خلال استخدام أسماء وهمية وحركية ومواقع تحويلات وشبكات مالية متعددة، إلى جانب الاستفادة من العملات المشفرة والاقتصادات السوداء، بهدف تمرير الأموال بعيدًا عن المسارات المالية التقليدية.
وأضاف «فهمى» أن الجماعة تعتمد كذلك على تلوين التحويلات وتغيير مساراتها من دولة إلى أخرى عبر عشرات الشركات والكيانات، لافتًا إلى أن هذا النشاط يظهر بصورة أكبر فى بعض دول جنوب شرق آسيا، خاصة ماليزيا وإندونيسيا، إلى جانب دول أخرى ذات أغلبية مسلمة فى آسيا الوسطى، بينما تواجه شبكات التمويل الإخوانية تحديات أكبر فى أوروبا، والولايات المتحدة نتيجة تشديد الرقابة المالية.
وأوضح أن مصادر التحويلات تختلف حسب الإقليم، سواء من داخل المنطقة إلى خارجها، أو عبر شبكات متعددة من رءوس الأموال، مشيرًا إلى استخدام شركات وكيانات تعمل كـ«سواتر وهمية»، فضلًا عن أسماء حركية ووسائل مختلفة لإخفاء المسارات الحقيقية للأموال، بما يخدم أهداف التنظيم الدولى للجماعة.
ولفت إلى أن هذا النهج ليس جديدًا على الإخوان، موضحًا أن التنظيم الدولى امتلك على مدار سنوات خبرات، وشبكات متخصصة فى إدارة الأموال، وبرز ذلك فى مراحل سابقة من خلال مجموعات ارتبطت بقيادات مالية داخل الجماعة، واصفًا إياهم بأنهم كانوا بمثابة «وزراء مالية الإخوان»، حيث عملوا على تحريك الأموال وإدارة مصادر التمويل عبر قنوات متعددة.
وقال إن مصادر التمويل والشبكات المرتبطة بالجماعة تطورت مع الوقت، وأصبحت تعتمد على أنماط حديثة للحصول على الأموال، من بينها العمل عبر مهن ووظائف وشركات وعملات مختلفة، مع محاولة الاستفادة من الأدوات التكنولوجية الحديثة، مشددًا على أن الرقابة على حركة الأموال أصبحت عنصرًا أساسيًا فى مواجهة هذه الأنماط من التمويل.
ولفت إلى أن الفضاء الرقمى يمثل أحد المجالات التى تستفيد منها الجماعة، خاصة مع وجود عناصر شابة لديها القدرة على التعامل مع الإنترنت وتقنياته المتقدمة، بما فى ذلك أجزاء من «الديب ويب».
















0 تعليق