لم تعد الحماية الاجتماعية فى مصر تقتصر على تقديم الدعم النقدى للأسر الأولى بالرعاية، وإنما تحولت إلى منظومة متكاملة تستهدف تحسين مستوى المعيشة، والاستثمار فى الإنسان، وتمكين القادرين على العمل من بناء مصادر دخل مستقرة.
وعلى مدار ١١ عامًا، توسع برنامج «تكافل وكرامة» ليصل إجمالى الأسر المستفيدة منه منذ انطلاقه إلى ٨.٢ مليون أسرة، فيما يستفيد منه حاليًا ٤.٧ مليون أسرة، وبينما أسهم الدعم فى مواجهة الاحتياجات الأساسية، اتجهت الدولة إلى التمكين الاقتصادى باعتباره خطوة أساسية للخروج من دائرة الاحتياج.
ووفق تقرير لوزارة التضامن، حصلت «الدستور» على نسخة منه، فإن الرئيس عبدالفتاح السيسى وجه باستمرار متابعة تنفيذ برنامج «تكافل وكرامة»، وبإعداد تقرير سنوى لقياس الأثر الاجتماعى والاقتصادى والتنموى للبرنامج، ودعم جهود التمكين الاقتصادى للأسر المستفيدة ورفع كفاءة الإنفاق الاجتماعى للدولة.
وتوضح البيانات الواردة فى التقرير أن ما حققته المنظومة، التى تنفذها الدولة المصرية على مدار ١١ عامًا وحتى الآن، يمثل أضعاف ما أنفقته الدولة على برامج الحماية الاجتماعية منذ خمسينيات القرن الماضى.
232 مليار جنيه لأسر «تكافل وكرامة» خلال ١٠ سنوات
قال الدكتور رأفت شفيق، مساعد وزيرة التضامن للحماية الاجتماعية مدير برنامج «تكافل وكرامة»، إن الوزارة نجحت فى تحقيق عدد كبير من المستهدفات، من خلال التوسع فى إتاحة شبكة أمان اجتماعى لقطاع كبير من الأسر الأولى بالرعاية على مستوى الجمهورية، بأعلى مستويات كفاءة الاستهداف والتنفيذ والمتابعة، بما يضمن وصول الدعم لمستحقيه بدقة، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية للحكومة فى يوليو ٢٠٢٤ بشأن مستهدفات ملف العدالة والحماية والأمان الاجتماعى.
وأشار إلى أنه، مع تطبيق أحكام قانون الضمان الاجتماعى، أصبح برنامج «تكافل وكرامة» بموجب القانون حقًا دستوريًا، ولا يقتصر على كونه منحة تقدمها الحكومة، وإنما تحول إلى التزام قانونى مستقر، ونهج تشريعى متطور يربط بين الدعم والإنتاج، بهدف الخروج من دائرة الاحتياج وكسر توارث الفقر، بما يؤسس لشبكة أمان اجتماعى أكثر قوة ومرونة وقدرة على مواجهة التحديات.
وأضاف أن قدرة البرنامج على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتتالية تضاعفت بمرور الوقت، بما أسهم فى دعم الاستقرار المجتمعى على المدى الطويل، وخدمة الفئات الأولى بالرعاية من الأسر المعيلة، والتى تمثل ٥٥٪ من إجمالى المستفيدين من «تكافل»، لافتًا إلى أن الأرامل والمطلقات والمهجورات وزوجات المسجونين ممن لديهن أبناء، من حديثى الولادة وحتى سن ٢٦ عامًا، يستحوذن على النسبة الأكبر، بإجمالى ٥.٥ مليون ابن وابنة فى مراحل التعليم المختلفة.
وأشار إلى أن المستفيدين من «كرامة» يمثلون نحو ٤٥.٥٪ من إجمالى المستفيدين من البرنامج، موضحًا أن البرنامج يشمل كبار السن من ٦٥ عامًا فأكثر بنسبة ١٢.٦٪، وذوى الإعاقة بنسبة ٢٨٪، إلى جانب الأرامل والمطلقات والمهجورات وزوجات المسجونين دون أبناء بنسبة ٣.٧٪، والأيتام بنسبة ٠.٧٪، والفتيات اللاتى تجاوزن ٥٠ عامًا دون زواج أو عمل بنسبة ٠.١٪ من مستفيدى «كرامة».
وأضاف: «عدد الأسر التى استفادت من الدعم النقدى على مدار ١١ عامًا الماضية، أى منذ بداية البرنامج فى يناير ٢٠١٥ وحتى تاريخه، وصلت إلى ٨.٢ مليون أسرة، بما يقارب خمسة أضعاف عدد المستفيدين من برنامج المساعدات الضمانية فى عام ٢٠١٤، وهو ١.٧ مليون أسرة».
وتابع: «لا يزال يستفيد من الدعم النقدى للبرنامج فى الوقت الحالى ٤.٧ مليون أسرة مستفيدة، فى الوقت الذى تخارج فيه ٢.٢ مليون أسرة منها، بعد التحاقها بعمل أو تحسن حالتها الاجتماعية والاقتصادية، بينما ١.٣ مليون أسرة تم خروجها من البرنامج لأسباب وفاة أو سفر للخارج أو تغير فى الحالة الاجتماعية بشكل يحول دون استمرارها فى الحصول على الدعم أو غيرها من الأسباب».
وذكر أن التمويل السنوى للدعم النقدى من مخصصات الموازنة العامة للدولة فى العام المالى ٢٠٢٥/٢٠٢٦ وصل إلى ٥٤ مليار جنيه، بزيادة قدرها ١٧٪ عن موازنة العام المالى السابق، التى بلغت ٤١ مليار جنيه.
وقال «شفيق»: «يصل إجمالى الدعم النقدى الذى جرى صرفه للأسر المستفيدة فى الـ١٠ سنوات الأخيرة منذ بداية البرنامج فى يناير ٢٠١٥ وحتى الآن ٢٣٢ مليار جنيه، على نحو غير مسبوق فى تاريخ تقديم المساعدات النقدية بوزارة التضامن الاجتماعى، وذلك فى الوقت الذى يصل فيه متوسط الدعم النقدى الموجّه للأسرة ٩٠٠ جنيه شهريًا، ويصل الحد الأدنى إلى ٧٠٠ جنيه شهريًا، تستهلكه الأسر لتغطية احتياجاتها الأساسية من مأكل ومشرب وكساء، إضافة إلى سداد الديون ودفع الفواتير المتأخرة للخدمات والوفاء بالتزامات تعليم الأطفال، والرعاية الصحية».
ولفت إلى أن التمويل عام ٢٠١٣/٢٠١٤ بلغ نحو ٥ مليارات جنيه فقط، أى أن معدل الزيادة وصل ١٠٠٠٪، موضحًا أن هناك زيادات كثيرة حدثت فى البرنامج منذ بداية التنفيذ فى يناير ٢٠١٥؛ كان منها الزيادات السنوية الدورية، ومنها الزيادات الموسمية فى الاستجابة للصدمات وأوقات الطوارئ والتحديات الاقتصادية المختلفة التى واجهتها كل دول العالم والمنطقة العربية على الأخص.
وقال: «لا يزال البرنامج يتصدر المرتبة الأولى بين أقرانه فى العالم العربى والشرق الأوسط وشمال إفريقيا كأكبر برنامج دعم نقدى فى المنطقة، نظرًا للعديد من المميزات التى جاء على رأسها كفاءة الاستهداف بتوجيه الدعم النقدى لمستحقيه ترشيدًا لاستخدام الموارد المالية المخصصة للدعم، بحيث يجرى استبعاد الفئات غير المستحقة بغرض الوصول إلى الفئات الأولى بالرعاية، لتكون التغطية بواقع خرائط ومؤشرات قياس خط الفقر القومى، وتخصيص الدعم للأسر التى تقع تحت خط الفقر خاصة المرأة المعيلة وغيرها من الفئات الأولى بالرعاية التى يثبت استحقاقها دون فئات المجتمع الأخرى المختلفة».
ولفت إلى أن البرنامج يعمل على الاستثمار فى رأس المال البشرى عبر تبنى نهج الدعم النقدى المشروط بهدف تحميل أرباب الأسر المستفيدة مسئولية ذويهم والاستثمار فى تنميتهم تعليميًا وصحيًا بالقدر الذى يدعم تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية للأسرة على المديين المتوسط والبعيد.
وقال: «بلغت نسبة الالتزام بالمشروطية التعليمية ٧٧٪ من إجمالى الطلبة أبناء الأسر المستفيدة فى مراحل التعليم ما قبل الجامعى، بحضور ما لا يقل عن ٨٠٪ من أيام الدراسة، وبلغت نسبة الالتزام بالمشروطية الصحية بين أمهات أسر (تكافل) ممن لديهن أطفال فى الفئة العمرية من حديثى الولادة إلى ٦ أعوام، ٩٢٪ من اللاتى زرن الوحدات الصحية مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر».
وذكر أنه يجرى استخدام أحدث تكنولوجيا قواعد بيانات السجل الاجتماعى التى تحتوى على ١٣ مليون أسرة مسجلة بما يعادل نصف تعداد الجمهورية، والربط البينى باستعمال الرقم القومى مع كل قواعد بيانات الجهات الحكومية الشريكة فى تقديم حزم خدمات الحماية الاجتماعية المختلفة، إلى جانب غيرها من قواعد بيانات البنية المعلوماتية لدى مؤسسات الدولة، بغرض تكامل المعلومات التى تتيح بيئة أكثر استرشادًا لحوكمة تقديم الخدمات وتفادى تحيز العنصر البشرى وإعلاء مبادئ الشفافية والاعتمادية والمحاسبة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وضمان عدم ازدواجية حصول المستفيدين على الخدمات من أكثر من جهة.
وأضاف: «هذه الأمور عززت إحكام إجراءات الحوكمة والتحقق والمساءلة للتأكد من استحقاق الدعم النقدى وجاهزية التلقى، والرد على الاستعلامات والتظلمات للحفاظ على ثقة المواطن ومناهضة ممارسات الفساد، بنسبة رد وصلت إلى ٩٩٪ من إجمالى ٩ ملايين استعلام وشكوى جرى تلقيها».
وأكد: «هناك تنسيق بين العديد من الجهات والهيئات الشريكة فى التنفيذ لكل المدرجين على قوائم بيانات مستفيدى الدعم النقدى، بحيث يجرى صرف الدعم التموينى من السلع والخبز لأفراد أسرهم بالكامل وإعفاؤهم من مصروفات مراحل التعليم ما قبل الجامعى، وأيضًا تقديم العديد من أوجه الدعم للأبناء فى مرحلة التعليم الجامعى، وتأهيلهم للحصول على خدمات التأمين الصحى الشامل وبرامج الرعاية الصحية لغير القادرين، وبرامج محو الأمية، وخدمات بطاقة الخدمات المتكاملة لذوى الإعاقة منهم، وكل صور الدعم الغذائى للأسر التى لديها أطفال أقل من عامين، وأولوية الاستفادة من كل المبادرات القطاعية التى يتم تنفيذها لتغطية خدمات صحية أو تنمية بشرية مختلفة».
ونوّه إلى أن المستهدف هو تمكين الأسر المستفيدة اقتصاديًا، لأن ذلك أولوية لدى القيادة السياسية وأجندة عمل وزارة التضامن، امتدادًا لتوجيه رئيس الجمهورية فى سبتمبر ٢٠٢٤ بدراسة تجارب التمكين الاقتصادى الدولية، بما يضمن تخارج الأسر المستفيدة ونقلها من الدعم النقدى إلى الإنتاج والاستقلالية.
وأشار إلى أن وزارة التضامن تتولى مسئولية مساعدة الفئات القادرة على العمل من المستفيدين من الدعم النقدى من خلال تنمية مهاراتهم وإمكاناتهم الفنية، أو توفير مشروعات تدر دخلًا لهم، أو إلحاقهم بعمل عبر العديد من الخدمات، منها التدريب والتأهيل، وتيسير الحصول على عمل لدى الغير بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة، وتسهيل الحصول على أصول إنتاجية أو قروض مُيسرة لإقامة مشروعات متناهية الصغر، إضافة إلى دعم الانخراط فى مشروعات جماعية أو وحدات إنتاجية توفر فرصة كسب عيش للعاملين بها.
ولفت إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٣٥٣٥ فى أكتوبر ٢٠٢٥، بإنشاء المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادى، بهدف التوسع فى إتاحة الخدمات المالية والمصرفية بشكل عام، وللفئات الأكثر احتياجًا بشكل خاص، وربط المساعدات النقدية بالحماية المنتجة، بحيث لا يقتصر دور الدولة على تقديم المساعدات المالية، وإنما يمتد إلى دمج الأسر القادرة على العمل فى مسارات تشغيلية وإنتاجية مستدامة، تشمل الإقراض الميسر، والادخار، والتأمين، وفرص التدريب، بما يعزز استقلالية الأسرة ويحقق الحماية الاجتماعية بمفهومها الشامل.
انخفاض نسبة الفقر القومى بنحو 2.3% على مستوى الجمهورية
اتجهت منظومة الحماية والتمكين الاقتصادى، التى تعمل عليها وزارة التضامن، إلى توسيع نطاق الخدمات المالية والرقمية وإتاحتها للمواطنين عبر قنوات مكانية وتكنولوجية متطورة، بما يدعم ريادة الأعمال والمشروعات متناهية الصغر، ويعزز قدرة الأسر والأفراد على الانتقال من دائرة الدعم النقدى إلى مسارات أكثر استدامة للتمكين الاقتصادى.
وتشمل المنظومة الجديدة حزمة متكاملة من الخدمات غير المالية، ترتكز على برامج التوعية وبناء القدرات المالية، إلى جانب تيسير آليات الإقراض متناهى الصغر لدعم المشروعات الناشئة ورواد الأعمال، بالتوازى مع إطلاق منصة «تمكين» الرقمية، وتعزيز الخدمات الادخارية والإقراضية من خلال تطبيق «تحويشة»، فضلًا عن إدخال «الذهب الرقمى» كأداة ادخارية تستهدف توفير وسيلة آمنة ومربحة للمواطنين.
كما تتضمن المنظومة برامج تشغيل متقدمة لربط المهارات الحرفية باحتياجات سوق العمل الفعلية، ومن بينها برنامج «أصول» الذى يستهدف نقل الأصول الإنتاجية إلى المناطق الأكثر احتياجًا، بما يسهم فى التمكين الاقتصادى للأسر، وتسويق الحرف والمنتجات المصرية، ورفع كفاءة سلاسل القيمة.
وتضم المنظومة كذلك منتجات مبتكرة للتأمين متناهى الصغر، إلى جانب مبادرات قطاعية تستهدف دعم الزراعات الاستراتيجية وتعزيز الأمن الغذائى، منها القمح ومشروع التمور قيد الدراسة، فضلًا عن دعم المشروعات الصناعية كثيفة العمالة، وفى مقدمتها صناعة الملابس الموجهة للتصدير وصناعة السجاد الحرير.
وفى إطار توسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز التكامل بين الجهات المعنية، جرى إشراك ما لا يقل عن ٣٤ جهة وهيئة شريكة فى تنفيذ أنشطة المنظومة المالية، من خلال وعاء تمويلى مخصص لدمج الأفراد والأسر المستفيدة من الدعم النقدى فى سن العمل داخل أنشطة التمكين الاقتصادى المالية وغير المالية المختلفة.
وتستهدف هذه الجهود توحيد إطار الحماية الاجتماعية فى مصر، من خلال حصر وتصنيف ومراجعة البرامج القائمة بما يتماشى مع نهج دورة الحياة، والاستفادة من الخبرات التى تراكمت على مدار السنوات العشر الماضية فى مجال تطوير وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية.
فى السياق ذاته، تم استحداث منصة قومية للحماية الاجتماعية بالتعاون مع البنك الدولى، بما يتيح تبادل الخبرات وتطوير السياسات الداعمة لبناء أنظمة حماية اجتماعية أكثر مرونة، وقابلة للتطوير على المستويات العربية والإقليمية والدولية. وأسهمت برامج الحماية والتمكين الاقتصادى فى انخفاض نسبة الفقر القومى بنحو ٢.٣٪ على مستوى الجمهورية، إلى جانب تراجع فجوة الفقر بين أسر «تكافل وكرامة» بنسبة ٩.٦٪ خلال عام ٢٠٢٤، وفقًا لنتائج قياسات الأثر التى أجريت على مدار عمر البرنامج. وأظهرت نتائج التقييمات تحسنًا فى أوضاع الأفراد والأسر المستفيدة من الدعم النقدى، انعكس فى زيادة استهلاك الغذاء بنسبة ٩٪ بين الأسر المستفيدة، إلى جانب تحسن جودة النظام الغذائى، بما ارتبط بتحسن الحالة الصحية والقدرات الإدراكية للأطفال.
















0 تعليق