خبير مناخ أوروبي لـ"الدستور": الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تأثرًا بتغير المناخ (خاص)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية "WMO"، من أن منطقة القرن الإفريقي من المتوقع أن تشهد طقسًا أكثر دفئًا ورطوبة من المعتاد خلال الربع الأخير من عام 2026، مع اشتداد ظاهرة النينيو.

ويأتي ذلك بالتزامن مع بدء ظهور ظاهرة النينيو، التي يُتوقع أن تزداد قوتها خلال الفترة المتبقية من عام 2026، وفقًا لتقديرات المنظمة.

وفي هذا الإطار، أجرت "الدستور" حوارًا مع البروفيسور الأوروبي دافيد فاراندا، مدير أبحاث المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، بمعهد بيير سيمون لابلاس وجامعة باريس ساكلاي في فرنسا، ورئيس قسم العمليات غير الخطية بالاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض.

شهدنا في السنوات الأخيرة موجات حر وفيضانات وجفافًا غير مسبوق. هل دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة من الظواهر المناخية المتطرفة؟

نعم، أعتقد أننا دخلنا واقعًا مناخيًا جديدًا. ما كان يُعتبر استثنائيًا أصبح شائعًا بشكل متزايد. ومن خلال عملنا مع مشروع "كلايم ميتر"، قمنا بتحليل عشرات الظواهر الجوية المتطرفة حول العالم، وتُظهر الغالبية العظمى منها بصمة واضحة لتغير المناخ، خاصة موجات الحر التي أصبحت أكثر ارتفاعًا بعدة درجات مقارنة بمثيلاتها في الماضي.

نحن لا نحطم الأرقام القياسية فحسب، بل نعيد تعريف مفهوم الطقس "الطبيعي".

ما هي الظواهر المناخية التي تُثير أكبر قدر من القلق بين العلماء في العقد القادم؟

من أبرز المخاوف ازدياد الظواهر المركبة، وهي حالات تحدث فيها عدة مخاطر معًا أو بالتتابع. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الجفاف الشديد الذي يتبعه هطول أمطار غزيرة إلى فيضانات مدمرة لأن التربة الجافة لا تستطيع امتصاص الماء بكفاءة. نشعر بالقلق أيضًا إزاء موجات الحر البحرية، وتسارع ذوبان الجليد، وأنماط دوران الغلاف الجوي المستمرة التي قد تُبقي الظواهر الجوية المتطرفة فوق المنطقة نفسها لأيام أو أسابيع.


إلى أي مدى يمكن ربط كل حدث مناخي متطرف بتغير المناخ؟


لا يمكن عزو كل حدث إلى تغير المناخ. فالطقس دائمًا ما يكون نتاجًا للتقلبات الطبيعية والتأثير البشري. ما يفعله تغير المناخ هو تغيير احتمالات وشدة الظواهر. في نظام "كلايم ميتر"، نقارن الظروف الجوية الحالية بظروف مماثلة من الماضي. بالنسبة للعديد من الأحداث الأخيرة، نجد أن تغير المناخ جعلها أكثر حرارة أو رطوبة أو جفافًا بشكل ملحوظ مما كانت عليه قبل بضعة عقود. يُشبه تغير المناخ تأثيره على الظروف المناخية: فهو لا يُحدد كل نتيجة، ولكنه يجعل بعض النتائج أكثر احتمالًا.


 كيف أثرت ظاهرة النينو الأخيرة على درجات الحرارة العالمية؟

أضافت ظاهرة النينو الأخيرة ارتفاعًا مؤقتًا في درجات الحرارة العالمية عن طريق إطلاق الحرارة المخزنة في المحيط الهادئ الاستوائي إلى الغلاف الجوي. ساهم هذا في جعل عامي 2023 و2024 عامين قياسيين. لكن ظاهرة النينيو وحدها لا تفسر هذه الأرقام القياسية. فبدون الاحترار طويل الأمد الناتج عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لما وصلت درجات الحرارة العالمية إلى هذه المستويات غير المسبوقة.


هل يمكن أن تصبح ظاهرة النينو أقوى أو أكثر تواترًا نتيجة لتغير المناخ؟


لا يزال هذا أحد أهم الأسئلة العلمية المطروحة. ومن المثير للاهتمام أننا نفهم تأثيرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على الاحترار العالمي بشكل أفضل بكثير من فهمنا لكيفية تأثير تغير المناخ على ظاهرة النينو نفسها. تشير بعض نماذج المناخ إلى أن أحداث النينيو المتطرفة قد تصبح أكثر حدة، ولكن لا يوجد حتى الآن إجماع واضح على أنها ستصبح أكثر تواترًا. إنه مجال بحث نشط.


كيف تؤثر ظاهرة النينو على الأمن الغذائي العالمي؟


تؤثر ظاهرة النينو على هطول الأمطار ودرجات الحرارة في العديد من المناطق الزراعية حول العالم. يمكن أن تقلل المحاصيل في بعض البلدان بينما تزيد من مخاطر الفيضانات في بلدان أخرى. ونتيجة لذلك، يمكن أن ترتفع أسعار المواد الغذائية وتصبح سلاسل الإمداد أكثر عرضة للخطر. يُفاقم تغير المناخ هذه الآثار لأن المحاصيل تُزرع بالفعل في ظروف أكثر دفئًا وجفافًا في أغلب الأحيان.


 كيف تُقيّم مدى تأثر الشرق الأوسط بتغير المناخ؟


يُعدّ الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرًا بتغير المناخ في العالم. ترتفع درجات الحرارة بوتيرة متسارعة، وموارد المياه محدودة أصلًا، والعديد من الدول مُعرّضة بشدة لموجات حرّ طويلة. قد تشهد بعض المناطق ظروفًا تُصبح قاتلة بشكل متزايد للعمل في الهواء الطلق والحياة اليومية خلال فصل الصيف. لذا، سيكون التكيف بنفس أهمية خفض الانبعاثات.


كيف سيؤثر تغير المناخ على موارد المياه في المنطقة؟


من المرجح أن يُصبح توفر المياه أحد أبرز التحديات. فارتفاع درجات الحرارة يزيد من التبخر، بينما يُتوقع أن يصبح هطول الأمطار أكثر تقلبًا. وهذا يعني زيادة تواتر حالات الجفاف، وضغطًا أكبر على موارد المياه الجوفية، وتزايد التنافس على المياه بين الزراعة والمدن والنظم البيئية. وسيكون تحسين إدارة المياه أمرًا بالغ الأهمية.


 هل يُمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة الهجرة المناخية في الشرق الأوسط؟


من غير المرجح أن يكون تغير المناخ السبب الوحيد للهجرة، ولكنه قد يُضاعف المخاطر بشكل كبير. فإذا أثرت موجات الحر الشديدة أو الجفاف أو ندرة المياه على سبل العيش، فقد تُفاقم الضغوط الاقتصادية أو السياسية القائمة. قرارات الهجرة معقدة دائمًا، لكن المناخ يُصبح جزءًا متزايد الأهمية من هذه المعادلة.

هل يُعدّ تغير المناخ أكبر تهديد للاقتصاد العالمي؟

هو بلا شك أحد أكبر المخاطر طويلة الأجل. من خلال مشروع "كلايم ميتر"، قمنا بتقدير ليس فقط شدة الظواهر المناخية المتطرفة، بل أيضًا عدد السكان والأنشطة الاقتصادية المعرضة لها. ومع ازدياد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، تستمر التكاليف في الارتفاع على البنية التحتية والزراعة والصحة والتأمين والإنتاجية. ويُعدّ الاستثمار في التكيف وخفض الانبعاثات ضرورة اقتصادية متزايدة، وليست مجرد ضرورة بيئية.

 لماذا لا يزال التمويل المناخي غير كافٍ لتلبية الاحتياجات الفعلية للدول النامية؟

حجم الاستثمار المطلوب هائل، ولم تواكب الالتزامات الدولية الواقع. تُساهم العديد من الدول الهشة بنسبة ضئيلة جدًا في الانبعاثات العالمية، لكنها تواجه أكبر الآثار. إن دعم التكيف والمرونة ليس مجرد عمل تضامني، بل هو أيضًا في المصلحة العالمية لأن مخاطر المناخ لا تتوقف عند الحدود الوطنية.

كيف تتصورون مناخ العالم بحلول عام 2050؟

سيعتمد مناخ عام 2050 بشكل كبير على القرارات التي سنتخذها خلال العقد القادم. لا مفر من بعض الاحترار الإضافي، وستستمر الظواهر الجوية المتطرفة في الازدياد تواترًا عما كانت عليه في القرن العشرين. لكن المستقبل ليس محتومًا. كل جزء من الدرجة له ​​أهميته. إذا خفضنا الانبعاثات بسرعة مع الاستثمار في التكيف، فلا يزال بإمكاننا تجنب أخطر العواقب. ولعل هذه هي أهم رسالة قدمها علم المناخ خلال العشرين عامًا الماضية.

دافيد
دافيد

أخبار ذات صلة

0 تعليق