ثورة في عالم الكلاسيكيات.. كيف أعاد ملحن وتسعيني تشكيل علاقة العازف بالمسرح؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تُعد «ثيا موسغريف» ظاهرة استثنائية فريدة من نوعها؛ فهذه الملحنة المولودة في اسكتلندا عام 1928، والتي تقيم في الولايات المتحدة منذ أوائل السبعينيات، لم تفقد شيئًا من لكنتها الأسكوتلندية الأصيلة، ولا من تفاؤلها المعدي، أو شغفها العارم لمواصلة الكتابة والتأليف. وكما أسرّت لي من منزلها في كاليفورنيا، بضحكة متهادية ملؤها الفرح: «لقد بلغتُ هذه السن، ومن الآن فصاعدًا سأفعل ما أشاء دون التفات لأي شيء»، وفقا لصحيفة الجارديان.

 

ويشمل هذا التحدي الإبداعي أحدث أعمالها الأوبرالية المقتبسة عن رواية فيرجينيا وولف الشهيرة «أورلاندو» تحت عنوان «أورلاندو: مغامرة» والتي ستشهد عرضها العالمي الأول في مهرجان بوكستون العام المقبل، بالإضافة إلى كونسيرتو الفاغوت الجديد الذي ألفته للعازفة إيمي هارمان بعنوان «خروج من الظلمة»، والذي يمكنكم الاستماع إليه في مهرجان «برومز» هذا الأسبوع.

 

تمرد على عصا المايسترو»

يطور كونسيرتو الفاغوت واحدًا من أبرز الابتكارات المحورية في حياة «موسغريف» ومسيرتها الفنية، وهو المفهوم الذي لا تزال تعكف على تعميقه واستكشافه وهي على أعتاب عامها التاسع والتسعين؛ ألا وهو ما تطلق عليه اسم المقاربة «الدرامية-المجردة»  في مؤلفاتها الأوركسترالية؛ حيث لا يُعامل العازفون بوصفهم كُتلة جمعية صامتة تتلقى التوجيهات من إشارات عصا المايسترو، بل يُمكَّنون ويُحرَّرون كشخصيات وهويات مستقلة لها حضورها الخاص.

 

وقد نبع إلهام «موسغريف» للاشتغال بهذه الطريقة من حلم منامي؛ إذ كانت تتلقى دروسًا في قيادة الأوركسترا حينها، وتسترجع تلك اللحظة قائلة: «في إحدى الليالي حلمتُ أنني أقود أوركسترا ضخمًا، وفجأة نهض أحد العازفين  وكان عازف كلارينيت  ورفض الجلوس تمامًا! فما كان مني إلا أن أشرتُ إلى عازفي الآلات النحاسية للنهوض والعزف كي يُسكتوا صوت الكلارينيت ويخمدوا تمرده».

 

«من أحلام المنام إلى واقع المسرح»

وفي صباح اليوم التالي مباشرةً، تلقت «موسغريف» تكليفًا فنيًا من أوركسترا مدينة برمنجهام هارموني لتأليف عمل موسيقي جديد، وهو العمل الذي تبلور عام 1967 ليصبح «كونسيرتو الأوركسترا». 

وكما تروي هي بنفسها: «ينهض عازف الكلارينيت يتحدى المايسترو، ثم ينهض عازفون منفردون آخرون، فلا يجد المايسترو بدًا من الاستعانة بقسم الآلات النحاسية بأكمله ليطغى صوتهم ويغرق تمرد الآخرين»  تمامًا كما حدث في حلمها تمامًا. إنها موسيقى تتسم بدراما محمومة وسريعة التواصل؛ حيث تحول «موسغريف» العلاقات الموسيقية المتقلبة بين كل قسم وآخر في الأوركسترا إلى تجربة حسية ملموسة ونابضة بالحياة.

 

 

كيف نسجت «ثيا موسغريف» لغة الصداقة والصراع الموسيقي؟

وفي كونسيرتو الكلارينيت الذي كتبته بعد ذلك بعامين، تمضي «موسغريف» إلى آفاق أبعد؛ إذ يتجول عازف الكلارينيت تنقلًا بين أرجاء الأوركسترا، معزفًا برفقة المجموعات الصغيرة التي قسّمتْ الأوركسترا إليها، ليتولى العازف المنفرد التحكم في تدفق وتيرة القطعة بقدر ما يفعل المايسترو نفسه. أما في كونسيرتو البوق (French Horn)، فيتضاعف ويتعزز صوت العازف المنفرد بوساطة عازفي الأبواق الأوركسترالية الذين يحيطون بالمسرح والجمهور في نهاية المطاف.

 

وفي كونسيرتو لاحق بعنوان «صُحبة ثنائية» المصمم للتوليفة الفريدة بين آلتَي الأوبوا والإيقاع، والذي عزفه «نيكولاس دانيال» و«إيفلين جليني» في مهرجان «برومز» عام 2007  يبدأ العازفان المنفردان كأنهما كوكبان موسيقيان نائيان، يفصل بينهما المسرح وعوالمها الصوتية الخاصة، قبل أن ينمو أداؤهما تدريجيًا ليتلاقيا في صداقة وتلاحم موسيقي آسر.

 

الملحنة التسعينية ثيا موسغريف تُحرك آلة الفاغوت الثقيلة على المسرح

أخبرتْها «هارمان» أنه بمقدورها التجوال والتحرك أثناء العزف، فتساءلت «موسغريف» بندهشة: «ماذا! بهذه الآلة الضخمة والثقيلة؟». وتستذكر «موسغريف» تلك اللحظة قائلة: «أخرجت إيمي آلة الفاغوت وقامت بالتجوال بالفعل، فقلتُ لها: ستندمين لأنكِ أخبرتِني بذلك!».

وبالفعل، ستتنقل «هارمان» بين أرجاء الأوركسترا طوال أداء قطعة «خروج من الظلمة». وتوضح «موسغريف»: «لكن يجب أن يكون هناك سبب درامي لحركتها هذه؛ وسبيبي هنا يرتبط بتجربة جائحة كوفيد؛ فالعمل بأكمله يبدأ بحزن عارم، والجميع  بمن فيهم عازفة الفاغوت  يغرقون في الكآبة. وفجأة، يعزف قائد الأوركسترا (عازف الكمان الأول) لحنًا قصيرًا يشبه صوت الأمل».

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق