لم تعد رنة الهاتف بالنسبة لبعض الأشخاص مجرد تنبيه بوصول اتصال، وإنما أصبحت مصدرًا للتوتر والقلق، خاصة لدى الشباب الذين اعتادوا على الرسائل النصية وتطبيقات التواصل الفوري باعتبارها الوسيلة الأساسية للتواصل.
ويُعرف هذا الشعور في الأدبيات النفسية الشائعة باسم Phone Anxiety أو قلق المكالمات الهاتفية، وهو وصف لحالة من التوتر أو الخوف المرتبطة بإجراء المكالمات أو استقبالها.
لكن هل يمثل هذا الخوف اضطرابًا نفسيًا مستقلًا؟ ولماذا يشعر بعض الشباب براحة أكبر عند الكتابة مقارنة بالحديث المباشر؟ ومتى يتحول تجنب المكالمات من مجرد تفضيل شخصي إلى مشكلة تحتاج إلى تدخل متخصص؟
ما هو قلق المكالمات الهاتفية؟
توضح الدكتورة ريهام متولي، الخبير النفسي، أن قلق المكالمات الهاتفية ليس اضطرابًا نفسيًا مستقلًا ضمن الأدلة التشخيصية، وإنما يُستخدم المصطلح لوصف حالة من التوتر أو الخوف يشعر بها بعض الأشخاص عند إجراء المكالمات أو استقبالها.
وفي كثير من الحالات، لا يمثل هذا الشعور اضطرابًا بحد ذاته، وإنما قد يكون سلوكًا مرتبطًا بالقلق.
لكن الأمر يحتاج إلى تقييم متخصص إذا أصبح القلق شديدًا أو مستمرًا، أو بدأ يؤثر بشكل واضح في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، خاصة إذا كان جزءًا من مشكلة أوسع مثل القلق الاجتماعي أو أحد اضطرابات القلق.
لماذا تسبب المكالمة توترًا أكثر من الرسالة؟
تختلف المكالمة الهاتفية عن الرسالة في طبيعة الاستجابة المطلوبة من الشخص.
فعند استقبال اتصال، يجد الفرد نفسه أمام موقف يتطلب ردًا فوريًا، دون مساحة كافية للتفكير في الكلمات أو إعادة صياغة ما يريد قوله.
وترى د. ريهام أن هذا الأمر قد يمثل مصدرًا للضغط النفسي لدى بعض الأشخاص، خصوصًا الذين يخشون الإحراج أو سوء الفهم أو تقييم الآخرين لهم.
كما قد يرتبط القلق بالخوف من تلقي أخبار غير متوقعة أو الدخول في محادثة لا يعرف الشخص مسبقًا طبيعتها أو ما ستتطلبه منه.
في المقابل، تمنح الرسائل النصية مساحة أكبر للتحكم؛ إذ يستطيع الشخص التفكير في رده، واختيار كلماته، ومراجعة ما كتبه قبل الإرسال، فضلًا عن إمكانية تأجيل الرد إلى الوقت الذي يشعر فيه بأنه مستعد للتواصل.
الرسائل تمنح إحساسًا بالسيطرة
أحد الأسباب الأساسية وراء تفضيل الرسائل لدى بعض الأشخاص هو الشعور بأنها تمنحهم قدرًا أكبر من السيطرة على عملية التواصل.
فالشخص يستطيع تحديد توقيت الرد، والتفكير في صياغة كلامه، والتعامل مع المحادثة وفق قدرته النفسية والعملية في تلك اللحظة.
أما المكالمة، فتضع الطرفين في لحظة تواصل مشتركة، وهو ما قد يزيد الضغط لدى الشخص الذي يخشى المواجهة أو لا يشعر بالارتياح في المحادثات العفوية.
ومن هنا، لا يكون رفض المكالمة بالضرورة تعبيرًا عن عدم الرغبة في التواصل، وإنما قد يكون محاولة لتجنب الشعور بالضغط الذي يصاحب الحوار الفوري.
هل ساهمت السوشيال ميديا في زيادة الخوف من المكالمات؟
ترى الخبيرة النفسية أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في ترسيخ نمط يعتمد بدرجة أكبر على التواصل الكتابي.
ومع الاعتياد على إرسال الرسائل بدلًا من إجراء المكالمات، أصبح الاتصال الصوتي أقل ممارسة لدى بعض الأشخاص، وبالتالي قد يبدو أكثر غرابة أو إثارة للقلق عندما يحدث.
وتشير إلى أن المشكلة ليست في استخدام الرسائل نفسها، وإنما في غياب التوازن بين التواصل الرقمي والتواصل المباشر.
فالاعتماد المستمر على الكتابة قد يعني أن الشخص يمارس عددًا أقل من المواقف التي تتطلب سرعة التفاعل، وإدارة الحوار بشكل مباشر، وفهم نبرة الصوت والانفعالات، والتعامل مع الأسئلة أو المواقف المفاجئة.
الشباب أكثر عرضة لقلق المكالمات؟
توضح د. ريهام أن الشباب قد يكونون أكثر عرضة لهذه الظاهرة مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا، وهو أمر يرتبط باختلاف البيئة التي نشأ فيها كل جيل.
فالأجيال الأكبر اعتادت استخدام الهاتف والمكالمات باعتبارهما وسيلة أساسية للتواصل، ولذلك قد تكون أكثر ارتياحًا لهذا النوع من التفاعل.
أما الأجيال الأصغر فقد نشأت في بيئة رقمية أصبحت فيها الرسائل وتطبيقات التواصل جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ما جعل التواصل الكتابي أكثر اعتيادًا بالنسبة إليها.
وبالتالي، قد لا يكون الأمر متعلقًا بالعمر وحده، وإنما بدرجة الاعتياد والخبرة السابقة مع المكالمات والتواصل المباشر.
ما علاقة قلق المكالمات بالقلق الاجتماعي؟
قد يتداخل الخوف من المكالمات مع القلق الاجتماعي لدى بعض الأشخاص.
وتوضح ريهام أن الشخص الذي يخشى تقييم الآخرين له قد يشعر بتوتر أكبر أثناء المكالمات، خصوصًا عندما يتحدث مع أشخاص غير مألوفين أو في مواقف رسمية.
وهنا يصبح القلق مرتبطًا ليس بالمكالمة في حد ذاتها، وإنما بما قد يصاحبها من أفكار مثل: ماذا سيعتقد الطرف الآخر عني؟ هل سأقول شيئًا خاطئًا؟ هل سأتعرض للإحراج؟ وهل سأتمكن من إدارة الحوار بشكل جيد؟
لذلك، فإن شدة القلق وطبيعته والسياق الذي يظهر فيه هي عوامل مهمة عند تحديد ما إذا كان الأمر مجرد تفضيل شخصي أم جزءًا من مشكلة نفسية أوسع.
متى يصبح تجنب المكالمات مشكلة؟
ليس كل شخص يفضل الرسائل بحاجة إلى علاج أو تدخل نفسي.
فمن الطبيعي أن يفضل شخص الرسائل لأنها أكثر ملاءمة لطبيعة عمله أو وقته أو أسلوب حياته.
لكن ريهام متولي تشير إلى أن تجنب المكالمات يصبح مشكلة عندما يتحول إلى سلوك دائم يسبب ضيقًا نفسيًا واضحًا أو يؤثر في الحياة اليومية.
وقد يظهر ذلك في صورة رفض مستمر للمكالمات الضرورية، أو تجنب مواقف مهنية أو دراسية، أو فقدان فرص مهمة بسبب الخوف من التواصل الصوتي، أو تأثير هذا التجنب في العلاقات الاجتماعية.
في هذه الحالات، لا ينبغي التعامل مع المشكلة باعتبارها مجرد «دلع» أو عدم رغبة في الكلام، وإنما يمكن الاستعانة بمختص لتقييم أسباب القلق وطبيعته.
كيف يمكن التغلب على الخوف من المكالمات؟
تعتمد مواجهة هذا النوع من القلق على التعامل التدريجي مع المواقف التي يسبب تجنبها شعورًا بالخوف.
وتوضح الخبيرة النفسية أن الشخص يمكنه البدء بمكالمات قصيرة مع أشخاص يشعر معهم بالراحة، ثم زيادة مدة المكالمات وعددها تدريجيًا، بدلًا من الانتقال مباشرة إلى المواقف الأكثر إثارة للقلق.
كما يمكن الاستعداد مسبقًا للمكالمات المهمة من خلال تحديد النقاط التي يرغب الشخص في مناقشتها، مع استخدام تمارين التنفس والاسترخاء للمساعدة في تخفيف التوتر.
ومن المهم أيضًا تقبل أن المحادثة الهاتفية لا تحتاج إلى أن تكون مثالية، وأن التردد أو البحث عن الكلمات أو حدوث لحظات صمت قصيرة أمور طبيعية في أي حوار.
العلاج المعرفي السلوكي.. متى نحتاج إلى مختص؟
إذا كان القلق شديدًا أو مستمرًا ويؤثر في حياة الشخص، فقد يحتاج الأمر إلى تدخل متخصص.
وتشير متولي إلى أن العلاج المعرفي السلوكي (CBT) يُعد من الأساليب العلاجية المستخدمة للتعامل مع أنماط القلق، حيث يساعد الشخص على فهم الأفكار التي تزيد خوفه، والعمل تدريجيًا على تغيير طريقة استجابته للمواقف التي يتجنبها.
وبالتالي، فإن الهدف ليس إجبار الشخص على إجراء المكالمات طوال الوقت، وإنما مساعدته على الوصول إلى درجة من المرونة تجعله قادرًا على اختيار وسيلة التواصل المناسبة دون أن يكون الخوف هو العامل الذي يفرض عليه هذا الاختيار.
المشكلة ليست في الرسائل.. بل في غياب التوازن
يكشف انتشار قلق المكالمات الهاتفية عن تحول أوسع في الطريقة التي يتواصل بها الإنسان في العصر الرقمي.
فالرسائل منحتنا سرعة ومرونة ومساحة أكبر للتفكير، لكنها في الوقت نفسه قللت لدى بعض الأشخاص من الاعتياد على المحادثات الصوتية المباشرة.
وبالتالي، لا تكمن المشكلة في أن يفضل الشخص الرسائل على المكالمات، فهذا اختلاف طبيعي في أساليب التواصل، وإنما في أن يتحول هذا التفضيل إلى خوف يمنع الشخص من أداء مهامه أو ممارسة حياته بصورة طبيعية.
وفي النهاية، قد لا يكون المطلوب هو العودة إلى زمن المكالمات الهاتفية الطويلة، وإنما الحفاظ على القدرة على استخدام كل وسائل التواصل بمرونة، من الرسالة القصيرة إلى المكالمة المباشرة، دون أن يتحول أي منها إلى مصدر دائم للقلق.
















0 تعليق