خلال كلمته فى ندوة «رومانسية وطن»
اﻟﺤﺰب ﺑﻘﻴﺎدة ﺳﻌﺪ زﻏﻠﻮل ﻧﻘﻞ اﻟﻮﻻء إﻟﻰ اﻟﺸﺎرع اﻟﻤﺼﺮى ﺑﻜﻞ ﻓﺌﺎﺗﻪ وﻃﺒﻘﺎﺗﻪ
اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻮﻓﺪى ﻟﻢ ﻳﺤﺼﺮ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﺴﻴﺎﺳﻰ ﻓﻘﻂ.. ﺑﻞ اﻋﺘﺒﺮﻫﺎ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ أﺧﻼﻗﻴﺔ
د. ﻋﺼﺎم ﺷﺮف رﺋﻴﺲ وزراء ﻣﺼﺮ اﻷﺳﺒﻖ: اﻟﻮﻃﻦ ﻗﻴﻤﺔ ﻋﻠﻴﺎ ﺗﺘﺠﺎوز اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻀﻴﻘﺔ
اﻟﺘﻨﺎﻏﻢ اﻟﻮﻃﻨﻰ ﺻﻤﺎم أﻣﺎن اﻷﻣﻦ اﻟﻘﻮﻣﻰ.. واﻟﻌﻘﻞ اﻟﻘﻴﻤﺔ اﻟﻤﻀﺎﻓﺔ اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﺒﻨﺎء اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ
اﻟﻠﻮاء ﻣﺼﻄﻔﻰ زﻛﺮﻳﺎ: اﻷوﻃﺎن ﻻ ﺗُﺒﻨﻰ ﺑﺎﻟﺴﻴﺎﺳﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎد ﻓﻘﻂ ﻟﻜﻦ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ واﻻﻧﺘﻤﺎء اﻟﺤﻘﻴﻘﻰ
رحّب الدكتور السيد البدوى شحاتة، رئيس حزب الوفد، بالدكتور عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق، والمستشار محمد شرين فهمى رئيس محكمة الجنايات السابق، والدكتور سمير رضوان وزير المالية الأسبق، وذلك خلال كلمته فى ندوة عُقدت فى حزب الوفد بعنوان «رومانسية وطن» تحدث فيها الدكتور عصام شرف وأدارها اللواء مصطفى زكريا مساعد رئيس الوفد للمتابعة وحضرها لفيف من السياسيين وأعضاء وقيادات حزب الوفد.
واستهل رئيس الوفد الدكتور السيد البدوى كلمته حول ما أثير على بعض المواقع من استفسارات عن عنوان الندوة «رومانسية وطن»، مؤكدًا أن هذا التعبير هو تعبير لوصف الحالة التى يمتزج فيها الحب العاطفى للوطن مع الخيال والحلم والتضحية والحنين، بحيث لا تصبح الوطنية مجرد موقف سياسى أو قانونى، بل حالة وجدانية وإنسانية عميقة.
وأضاف «البدوى» أنه قد بدأ ظهور هذا التعبير فى أدبيات ثورة 1919، وخطابات مصطفى باشا النحاس وسعد زغلول، وأشعار أحمد شوقى وأغانى سيد درويش، كما ظهر فى أشعار صلاح جاهين وأغانى السيدة أم كلثوم وعبد الحليم حافظ الوطنية، حيث كان الوطن يُصوَّر كقيمة عاطفية كبرى تستحق الحب والفداء وتحويل الانتماء الوطنى من مجرد علاقة بين المواطن والدولة إلى علاقة وجدانية قائمة على الحب والكرامة والذاكرة والتضحية والأمل.
وأوضح «البدوى»: بالمناسبة لم يكن حزب الوفد مجرد تنظيم سياسى ظهر فى لحظة تاريخية مرتبطة بالمطالبة بالاستقلال، بل كان فى جانب عميق منه مشروعًا لصناعة الوجدان الوطنى المصرى الحديث. فقد نجح الوفد منذ ثورة 1919 فى تحويل الوطنية من مفهوم سياسى نخبوى إلى حالة وجدانية جماهيرية امتزجت فيها السياسة بالعاطفة، والكفاح بالحب، والاستقلال بالأحلام الكبرى.
وأشار رئيس الوفد: من هنا يمكن فهم العلاقة بين «الوطنية» و«الرومانسية» فى الأدبيات الوفدية، إذ لم يقدم الوفد الوطن باعتباره مجرد حدود أو سلطة، بل باعتباره قيمة أخلاقية وهوية حضارية وبيتًا روحيًا للمصريين جميعًا.
وتابع «البدوى»: لهذا ارتبطت الحركة الوفدية دائمًا بخطاب يحمل الحنين والكبرياء والتضحية والإيمان العاطفى العميق بمصر. ولقد كان مفهوم الوطنية فى مصر قبل ثورة 1919 محدودًا داخل النخب السياسية والثقافية، لكن الوفد بقيادة سعد زغلول نقل الوطنية إلى الشارع المصرى بكل فئاته وطبقاته، وجعل المصرى يشعر أن الوطن ليس حكومة بل هو قضية حب وانتماء.
وأضاف «البدوى»: من هنا ظهرت السمات الرومانسية فى الخطاب الوفدى فى تمجيد مصر باعتبارها «الأم» وتصوير الحرية كحلم جماعى وتحويل الشهداء والمناضلين إلى رموز وجدانية مع ربط الاستقلال بالكرامة الشخصية للمواطن.
وتابع رئيس الوفد: كانت الهتافات والأغانى والشعر جزءًا من هذه الحالة الرومانسية الوطنية، حتى أصبحت ثورة 1919 نفسها أقرب إلى ملحمة وجدانية شعبية. هذا وقد تميزت الأدبيات الوفدية بعدة عناصر رومانسية واضحة تتجلى فى تقديس فكرة الأمة المصرية باعتبارها روحًا تاريخية متصلة بالحضارة المصرية القديمة والإسلامية والحديثة.
مؤكدًا: لهذا ظهرت فى الخطاب الوفدى مفردات مثل الأمة الخالدة ومصر العريقة ووحدة الهلال والصليب.
وقد قدمت الأدبيات الوفدية الزعيم الوطنى بوصفه رمزًا للتضحية وصوتًا للشعب وتجسيدًا للحلم الوطنى ولهذا تحولت شخصيات مثل سعد زغلول، ومصطفى النحاس، وفؤاد سراج الدين، إلى رموز تتجاوز السياسة التقليدية لتصبح جزءًا من الذاكرة العاطفية للمصريين.
وأشار «البدوى» إلى أنه فى الفكر الوفدى التقليدى، لم تكن الوطنية مجرد موقف سياسى بل منظومة أخلاقية قائمة على الشرف والتضحية والنزاهة والدفاع عن الفقراء واحترام الإرادة الشعبية، ومن هنا ارتبطت «الرومانسية الوطنية» بفكرة «النبل السياسى»، وفى تلك المرحلة كانت مصر تُغنى وتُكتب كأنها معشوقة ويُنظر إلى النضال الوطنى باعتباره فعلًا إنسانيًا نبيلًا.
وتابع رئيس الوفد لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول السياسة فى عهد الوفد إلى حالة ثقافية كاملة، وكانت وحدة الهلال والصليب أعلى تعبير عن الرومانسية الوطنية، وكان الشعار الأشهر الذى يجسد الرومانسية الوطنية الوفدية هو «يحيا الهلال مع الصليب»، فهذا الشعار لم يكن مجرد رسالة سياسية، بل كان تعبيرًا وجدانيًا عن وحدة الشعب وقدسية الوطن فوق الانقسام.. والإيمان بأن مصر رابطة حضارية وإنسانية قبل أى شىء آخر.
من جانبه أعرب الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، عن سعادته بتواجده فى بيت اﻷمة قائلًا: لا أخفى عليكم، أننى بحكم عملى فى الجامعة والتدريس ألقيت آلاف المحاضرات، لكن هناك رهبة معينة تملأنى وأنا فى هذا المكان العريق.
وأكد رئيس وزراء مصر اﻷسبق، أن علاقته بـ«بيت الأمة» تمتد لأكثر من 60 عامًا، منذ أن كان تلميذًا فى المرحلة الابتدائية وكان يلعب الكرة فى الشوارع المحيطة بالحزب، مشيرًا إلى أنه لطالما كان لهذا البيت جاذبية خاصة فى وجداننا.
ولفت «شرف» إلى أن اختياره لعنوان «رومانسية وطن» ليس مجرد طرح عاطفى، بل هو محاولة لتعريف الوطن كقيمة عليا، والبحث عن الخيط الإنسانى الذى يربط الإنسان بهويته وتاريخه بعيدًا عن الحسابات الضيقة، مؤكدًا أننا بحاجة إلى خطاب وطنى يعيد للوعى مكانته وللفكر قيمته، ليؤمن الإنسان المصرى بأن وطنه ما زال قادرًا على صناعة الأمل.
وأشار إلى أنه تعلم من تجارب الحياة أن القضايا الكبرى يجب أن تُبنى على النظرة الكلية، ولا يوجد ما هو أهم من قضية الوطن، ومن هذا المنطلق، أركز فى رؤيتى على الانتقال من مدارات «الأشخاص والأشياء» إلى مدار «الأفكار والقيم»؛ فالأشخاص يرحلون ولكن القيم، مثل الأمومة والوطنية، تظل خالدة لا تموت.
وأوضح الدكتور عصام شرف أن هدفه الأساسى هو استحضار «حالة أكتوبر»، وهى حالة ممتدة لا تقتصر فقط على نصر عسكرى، بل هى روح نسعى من خلالها لصياغة «مشروع تنويرى» متكامل يعيد بناء الوعى والإنسان، فالوطن لا يُبنى بالسياسة والاقتصاد فحسب، بل بالمشاعر الصادقة والانتماء الحقيقى، والإيمان بأن لهذا الوطن حقًا علينا جميعًا أن نفكر فيه ونختلف من أجله.
وأكد الدكتور عصام شرف أن القيم هى المحرك الأساسى للإنسان، مشددًا على أن علاقتنا بالوطن لا يجب أن تكون «علاقة أشياء أو أشخاص»، بل هى علاقة تقوم على قيم إنسانية عليا تستحق التضحية.
وأوضح أن هناك فرقًا جوهريًا بين «الدولة» بمكوناتها المادية والبشرية (أرضًا وشعبًا وسلطة) وبين «الوطن» الذى يمثل القيمة السامية التى لا تتأثر بالمتغيرات أو الأشخاص.
وعرّف الدكتور «شرف» الرومانسية الوطنية بأنها «عطاء بلا قياس» وتجاوز للقدرات الطبيعية المعتادة، وهى حالة خاصة جدًا من الحب تتجلى فى التضحية دون انتظار مقابل، بخلاف المفاهيم الإدارية التى تخضع للقياس والحساب.
واستشهد بنماذج من الحياة الأسرية (تضحيات الأب والأم) كدليل على أن القيمة العليا تدفع الإنسان لتخطى قدراته الجسدية والمعتادة من أجل هدف أسمى، معتبرًا أن هذه الحالة هى جوهر الرومانسية التى يتحدث عنها.
وأشار إلى أن قيمة الأشياء المادية تتبدل تمامًا عندما ترتبط بالوطن؛ فـ«قطعة القماش» تصبح ذات قيمة لا تقدر بثمن عندما تتحول إلى علم مصر، والأسماء العادية تكتسب خلودًا عندما ترتبط ببطولات وطنية، مثل محمد العباسى الذى رفع العلم على خط بارليف.
واعتبر الدكتور «شرف» أن انتصارات أكتوبر 73 هى ذروة «رومانسية الوطن»، مؤكدًا أنها بدأت فعليًا منذ يونيو 67 من خلال صمود الشعب وتحمله للمصاعب، وبطولات الجنود فى حرب الاستنزاف الذين كانوا يتدربون بإصرار يتجاوز حدود طاقتهم البشرية مدفوعين بالقيم الوطنية.
وأكد أن القيم العليا مثل الوطن، الأسرة، والحب هى قيم منزهة تظل موجودة ونسعى إليها دائمًا، وهى لا تموت ولا تتأثر بفشل الأفراد فى تحقيقها أحيانًا.
وقال الدكتور عصام شرف إن نصر أكتوبر 1973 لم يكن مجرد ملحمة عسكرية فحسب، بل كان تجسيدًا لما أسماه بـ«كيمياء الوطن»، وهى الحالة التى تغيرت فيها سيكولوجية المصريين وانتقلوا فيها من التعب والكسل إلى ذروة النشاط والعطاء غير المشروط.
وأكد «شرف» أن هذه الحالة الاستثنائية قامت على الالتفاف الوطنى وانصهار مؤسسات الدولة والشعب فى بوتقة واحدة لاسترداد الكرامة الوطنية، موضحًا من خلال شهادته كشاب فى تلك الفترة، كيف تحول سلوك الأفراد العاديين بفضل قيم عليا تحركت بداخلهم؛ فذكر قصصًا ملهمة عن تلاحم الشعب، منها شباب الأندية الذين تسابقوا للتطوع على الجبهة وبكوا خشية عدم نيل شرف المشاركة، كما استشهد بالمواطنون البسطاء كـ«عم صابر» القهوجى و«عم حسين» البقال الذين قدموا مصالح الوطن على أرزاقهم الخاصة فى مشهد مهيب للعطاء، فضلًا عن تغير سلوك الجمهور فى وسائل النقل، والتزامهم الطوعى بدفع التذاكر كدعم للدولة فى حربها، وقصص البطولة للأطباء والجنود الذين كانت وصيتهم الوحيدة هى «أن يُدفن الشهيد بسلاحه وملابسه» دلالة على الارتباط الأبدى بالأرض.
وعرض الدكتور شرف «فلسفة التناغم والاندماج» كنموذج لبناء المستقبل، مشبهًا إياها بـ«فنجان الشاى» أو «اللوحة الفنية»، حيث تندمج عناصر متباينة (ماء، سكر، شاى) لتكون وحدة واحدة متجانسة وأكثر قوة دون إلغاء الاختلافات بينها.
وأكد الدكتور عصام شرف أن «حالة أكتوبر» هى منظومة متكاملة من التخطيط الجمعى والتضحيات الفردية التى استمرت لسنوات، مشددًا على ضرورة إعادة إنتاج هذه الحالة اليوم ليس لخوض حروب عسكرية، بل لخوض «حروب اقتصادية واجتماعية وثقافية» ملحة، مؤكدًا أن مصر وطن يستحق التضحية والعمل بتناغم من الجميع دون استثناء.
ولفت الدكتور عصام شرف، فى رؤية تحليلية حول أسس القوة الوطنية، إلى أن «التماسك» هو القيمة المحورية والفيصل فى استقرار المجتمعات، مشبهًا انهيار التماسك الاجتماعى بما يحدث فى الهندسة عند ظهور التصدعات فى الطرق؛ فكلما قل التماسك انهار الطريق وراحت وظيفته.
وأكد أن المجتمعات المتماسكة قادرة على أداء وظيفتها بامتياز ومواجهة أى «أحمال خارجية» أو تحديات دون خوف، موضحًا أن «المشروع التنويرى» الذى ينشده يرتكز على تحويل «التباين» فى المجتمع إلى «تناغم»، لخلق مجتمع قادر على المنافسة والتقدم. وشدد على أن هذا المشروع يقوم على جناحين أساسيين «التناغم الوطنى وإعمال العقل»، مشيرًا إلى أن العاطفة وحدها لا تكفى، بل يجب أن يقترن الحب والترابط بالإيمان بالابتكار والتطور العلمى.
وأشار الدكتور شرف إلى «روح أكتوبر» كنموذج تطبيقى ناجح، حيث اجتمع فيها التناغم الشعبى والهدف الموحد مع التخطيط العلمى الفائق، وهو ما تجلى فى كسر خط بارليف من خلال دراسات هندسية واستراتيجية دقيقة.
كما حذر من أن «الداخل القوى» هو المفتاح الحقيقى للأمن القومى، مؤكدًا أن الدولة القوية كالجسم السليم المتناغم الذى يستطيع مقاومة الميكروبات الخارجية مهما بلغت شدتها، بينما يؤدى التفكك الداخلى والاستقطاب إلى «مرض نفسى اجتماعى» يتمثل فى التمركز حول الذات وفقدان الثقة فى الآخر.
وأكد أن «قيمة الوطن» يجب أن تكون القيمة العليا التى تحرك اختياراتنا، مستشهدًا بوقائع تاريخية تثبت أن البلاد لا تُهزم إلا إذا انهار عمودها الفقرى من الداخل، وهو موروثها الروحى والثقافى، وعليه فإن الوعى الجمعى الذى يجعل كل فرد يرى نفسه جزءًا من كيان كبير هو «الزاد الثابت» لمواجهة كافة التحديات الإقليمية والدولية.
كما أكد الدكتور عصام شرف أن التناغم الوطنى يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولة، مشبهًا المجتمع باللوحة الفنية التى تكتسب جمالها وتأثيرها من «التباين المتناغم» للألوان، حيث إن التنوع مع التناغم يخلق حالة من القوة والجمال.
وأوضح أن الأمن القومى يكون فى أفضل حالاته عندما يكون الداخل قويًا ومتناغمًا، بينما يضعف بضعف الجبهة الداخلية واستقطابها، مشددًا على أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هى «القيمة العليا» التى تعلو فوق الأشخاص والمؤسسات والأيديولوجيات والأديان، قائلًا: «أنا مصرى أولًا، ثم تأتى الاختلافات الأخرى».
واستشهد بدراسات تاريخية تؤكد أن الحضارات تنهار عندما تعجز عن الاستجابة للتحديات، معتبرًا أن التحدى الأكبر الذى يواجهنا هو «الاستقطاب»، وأن الاستجابة المثلى تكمن فى التناغم والتفاهم والتعايش.
وفيما يخص التنمية والتقدم، أشار الدكتور شرف إلى ضرورة تعظيم دور العقل والتفكير المنطقى كآلية للمنافسة، معتبرًا العقل هو «القيمة المضافة» الحقيقية للإنسان.
ولفت إلى مفارقة علمية بأن قيمة المكونات الكيميائية لجسم الإنسان لا تتعدى 160 دولارًا، بينما تكمن قيمته الحقيقية فى عقله الذى وهبه الله إياه، كما دعا إلى تبنى منهج «العقل المحارب» الذى لا يكتفى بنقل المعرفة بل يمحصها ويسأل عن الأسباب، محذرًا من التقليد الأعمى (النقل) دون إعمال العقل، ومستشهدًا بقصة «تقطيع رءوس السمك» للدلالة على ضرورة فهم سياق العادات المورثة.
وفرّق شرف بين «الإجادة» و«الجودة»، موضحًا أن الإجادة هى مجرد مهارة، بينما الجودة هى القيمة المضافة التى يقدمها العمل للمجتمع، ضاربًا المثل بقصة «ناظم الإبرة» الذى أجاد مهارة لا نفع منها للمجتمع، مؤكدًا أن المستقبل ليس زمنًا ننتظره بل هو «واقع نصنعه»، وأن الأحلام يجب أن تتحول من مجرد أمانى شخصية إلى أحلام وطنية نعمل على تحقيقها كما نتحمل مسئولية الواقع القادم.
وقال الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، إن القيمة المضافة هى سر الحياة، مشددًا على ضرورة تحول النظم المجتمعية لتركز على الإنسان وعقله بدلًا من المال. وأوضح أن ما يصفه البعض بـ«الحظ» ليس إلا معادلات علمية نجهلها، مؤكدًا أن الإيمان بالحظ يتناسب عكسيًا مع العلم، فكلما تقدمت المعرفة واكتشفنا الحقائق تراجعت مساحة الصدفة، حيث اعتبر أن «الإيمان بالحظ يساوى واحد ناقص العلم».
وأشار إلى أن النموذج الصينى اعتمد على قفزات ابتكارية مذهلة وليس مجرد نمو معتاد، لافتًا إلى أن الابتكار الذى يقصده لا يتوقف عند حدود المعامل أو التكنولوجيا، بل يمتد ليشمل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية كافة.
ودعا إلى ضرورة تبنى منظور تنافسى عالمى، قائلًا: «لا تكتفى بمقارنة نفسك بنفسك، بل قارن نفسك بأقرانك» لتحقيق نصر حضارى حقيقى.
وعن مكانة مصر الدولية، أكد أن العالم لا يمكنه تصور نفسه بدون مصر، مشددًا على ضرورة الانتقال من «حضارة الهيمنة» التى تسبب الحروب إلى «حضارة المصير المشترك»، حيث يصبح سقوط أى طرف تهديدًا للجميع. وأضاف أن التاريخ المصرى العظيم يجب أن يكون دافعًا للعب دور محورى مشابه فى مستقبل العالم.
وتطرق الدكتور شرف إلى فلسفة مواجهة الصعاب، مستشهدًا بـ«قصة الفراشة» التى تعانى لتخرج من شرنقتها كى تتمكن من الطيران، مؤكدًا أن الألم ليس عذابًا محضًا، بل هو مخاض ضرورى للنجاح. وأوضح أن الأشياء العظيمة والمهمة غالبًا ما تتحقق بصعوبة، وهذه الصعوبة هى ما يمنحها الجمال والقيمة.
وحول تعريف جوهرى للأمن القومى، أكد أنه يتجاوز الأبعاد العسكرية والشرطية ليصل إلى الحالة الوطنية الداخلية والتناغم المجتمعى، وشدد على أن الداخل القوى هو الدرع الحقيقية لمواجهة التهديدات الخارجية، مستحضرًا نموذج التلاحم الشعبى المصرى المذهل فى الفترة من 1967 وحتى نصر 1973 كدليل على أن قوة المجتمع هى أساس الأمن والأمان.
وأكد اللواء مصطفى زكريا، مساعد رئيس حزب الوفد للمتابعة أن الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء الأسبق، يعد من القامات الوطنية والفكرية التى تحملت المسئولية فى وقت صعب وحيوى.
وأضاف «زكريا» خلال تقديمه للندوة عن خالص تقدير العائلة الوفدية ورئيس الوفد لتوجيهه ورعايته لتلك المبادرات الفكرية والثقافية الراقية، والتى تؤكد أن الأحزاب الفاعلة لا تُقاس فقط بمواقفها السياسية، بل أيضًا بدورها فى بناء الوعى وفتح الحوار الوطنى الجاد.
وأشار «زكريا» إلى أنه حين يجتمع الفكر بالتجربة، والوطن بالوعى، يصبح الحوار أكثر من مجرد كلمات، بل مساحة لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقى للعلاقة بين الإنسان ووطنه، لذلك فإن عنوان ندوة «رومانسية وطن» ليس عنوانًا عاطفيًا بقدر ما هو محاولة للبحث عن ذلك الخيط الإنسانى العميق الذى يربط الإنسان بأرضه وهويته وتاريخه، وبأحلامه التى تتجاوز حدود المصالح المؤقتة والحسابات الضيقة، مضيفًا أن الوطن لا يُبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل أيضًا بالمشاعر الصادقة والانتماء الحقيقى، والإيمان بأن لهذا الوطن حقًا علينا جميعًا، أن نفكر فيه ونختلف من أجله لا نختلف عليه، ونعمل له وليس لأنفسنا فقط.
وأوضح أننا فى زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه التحديات، وتظل الحاجة أكبر إلى خطاب وطنى يعيد للوعى مكانته، وللفكر قيمته، وللإنسان المصرى ثقته بأن وطنه ما زال قادرًا على صناعة الأمل، ومن هنا تأتى أهمية ندوة «رومانسية وطن»، وهذا الحوار مع القامة الفكرية الدكتور عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق، وما يحمله من تجارب ورؤية وإنسانية، بعد رحلة علمية طويلة كانت بدايتها فى عام 1975 عندما تخرج فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وحصل على ماجستير هندسة النقل من إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الدكتوراه عام 1984، وتدرج فى المناصب الأكاديمية إلى منصب أستاذ هندسة النقل والطرق بجامعة القاهرة، وتولى وزارة النقل فى حكومة الدكتور أحمد نظيف فى يوليو 2004، وفى 3 مارس 2011 تولى رئاسة مجلس الوزراء بتكليف من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
حضر اللقاء محمد عبدالعليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس النواب، والدكتور ياسر حسان أمين صندوق الوفد، والمهندس حسين منصور نائب رئيس الحزب، وصفوت عبدالحميد، والدكتورة أمل رمزى والسيد الصاوى أعضاء الهيئة العليا لحزب الوفد، ومن مساعدى رئيس الوفد العميد محمد سمير، ومحمد السنباطى والدكتور صلاح سلام مساعد رئيس الوفد لشئون المناطق الحدودية، والدكتور عماد زكى المتحدث الرسمى باسم رئيس الوفد، والدكتورة عزة هيكل عميد معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية، والمهندس وسام عبدالباقى رئيس لجنة التحول الرقمى، واللواء أحمد الشاهد رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بالحزب سابقًا، والإعلامى محمد مبروك منسق عام هيئة جيل المستقبل، والكاتب الصحفى شريف عارف مدير معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية، ومحمد مجدى فرحات، وأمنية رمزى سكرتيرى الهيئة الوفدية.






















0 تعليق