ﺟﻨﻮن أﺳﻌﺎر اﻟﻮﻗﻮد ﻳﻨﻌﺶ "اﻟﺘﻮﺻﻴﻠﺔ اﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ"

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الموظفون يتقاسمون السيارات هربًا من أسعار النقل الذكى 

تحولت رحلة الذهاب إلى العمل بالنسبة لآلاف المواطنين إلى معركة يومية مرهقة، فى ظل الارتفاع المستمر لأسعار الوقود وتكاليف المعيشة، لتصبح المواصلات واحدة من أكثر البنود استنزافًا للراتب الشهري، خاصة لسكان المدن الجديدة والمناطق البعيدة عن مراكز العمل الرئيسية بالقاهرة الكبرى.

ومع تجاوز أسعار البنزين حاجز الـ20 جنيهًا للتر، لم يعد الاعتماد على السيارة الخاصة أو تطبيقات النقل الذكى خيارًا مريحًا كما كان فى السابق، بينما ازدادت معاناة المواطنين مع الميكروباصات العشوائية وارتفاع تعريفة التاكسى والنقل الذكي، الأمر الذى دفع كثيرين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر عملية.

وخلال الشهور الأخيرة، بدأت فكرة «النقل التشاركى» أو «التوصيلة مقابل البنزين» تنتشر بصورة ملحوظة بين الموظفين والطلاب، عبر مجموعات مواقع التواصل الاجتماعى أو من خلال المعارف والجيران، حيث يعرض أصحاب السيارات الخاصة توصيل أشخاص يسلكون نفس الطريق مقابل المشاركة فى تكلفة البنزين فقط.

وتعد المدن الجديدة مثل أكتوبر الجديدة، والعبور، وبدر، وحدائق الأهرام، من أكثر المناطق اعتمادًا على هذا النوع من التوصيل، بسبب ضعف وسائل النقل الجماعى المباشرة وبعد المسافات عن مناطق العمل والخدمات.

ويقول يوسف عبد الرحيم، 44 عامًا، ويعمل بإحدى شركات الدعاية والإعلان، إنه اضطر للعودة لاستخدام سيارته الخاصة يوميًا فى رحلته من مدينة السادس من أكتوبر إلى التجمع الخامس، بعد أن أصبحت وسائل النقل الأخرى مرهقة ومكلفة.

وأضاف أن تكلفة البنزين وحدها تصل إلى نحو 5 آلاف جنيه شهريًا، بمتوسط 175 جنيهًا يوميًا، ما دفعه إلى نشر إعلان عبر إحدى مجموعات سكان المنطقة، يعرض فيه توصيل موظفين يسلكون نفس الطريق مقابل المساهمة فى البنزين.

وأوضح يوسف أن الفكرة لاقت استجابة واسعة، خاصة أن تكلفة الرحلة للمشارك لا تتجاوز 60 جنيهًا ذهابًا وعودة، وهو مبلغ أقل كثيرًا مقارنة بأسعار تطبيقات النقل الذكي، مضيفًا:

«النقل كده أوفر للجميع.. وأنا خففت جزءًا من التكلفة بدل ما أتحملها وحدى».

ولم تقتصر الفكرة على الرجال فقط، بل امتدت إلى السيدات أيضًا، حيث تقول نهى، 38 عامًا، وتعمل محاسبة بإحدى الشركات الخاصة، إنها بدأت فى تنظيم رحلات تشاركية يومية من مدينة بدر إلى الدقي، بعد ارتفاع أسعار البنزين وتكاليف الانتقال.

وأشارت إلى أنها فضلت اصطحاب سيدات فقط من نفس المنطقة وفى نفس مواعيد العمل، حفاظًا على الخصوصية والأمان، مؤكدة أن التجربة ساعدتهن على تقليل النفقات اليومية وتجنب معاناة الميكروباصات والزحام.

وأضافت أن أسعار تطبيقات النقل الذكى أصبحت مرتفعة بصورة لا تتناسب مع دخول الموظفين، خاصة مع الرحلات الطويلة بين المدن الجديدة ووسط القاهرة.

المشهد نفسه يتكرر يوميًا مع عشرات الموظفين الذين أعادوا التفكير فى مفهوم «السيارة الخاصة»، بعدما تحولت من وسيلة راحة إلى عبء مالى ثقيل، فى ظل ارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار والصيانة.

ومن منطقة حدائق الأهرام، يقول محمود، موظف بإحدى الشركات، إنه بحث عبر مواقع التواصل عن شخص يتجه يوميًا بسيارته إلى وسط البلد للمشاركة فى البنزين، تفاديًا لتكاليف النقل الذكى والميكروباص، مؤكدًا أنه فوجئ بوجود عدد كبير من العروض المشابهة.

ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، تحولت فكرة مشاركة السيارات من حل فردى محدود إلى ظاهرة تتوسع تدريجيًا، فى محاولة لتقليل فاتورة التنقل اليومية التى أصبحت تمثل عبئًا حقيقيًا على الطبقة المتوسطة.

ويرى الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن انتشار «النقل التشاركى» يعكس حجم الضغوط المعيشية التى تواجه المواطنين، خاصة بعد الزيادات المتلاحقة فى أسعار الوقود.

وأوضح أن تكلفة الانتقال أصبحت تستنزف جزءًا كبيرًا من دخل العاملين، لا سيما القاطنين فى المدن الجديدة التى تعانى من ضعف وسائل النقل الجماعى المباشرة، ما يدفع المواطنين للبحث عن حلول عملية لتقليل النفقات.

وأضاف أن مشاركة السيارات تعد بديلًا اقتصاديًا مناسبًا مقارنة بالاعتماد الكامل على تطبيقات النقل الذكى أو استخدام السيارة الخاصة بشكل فردي، فضلًا عن كونها أكثر راحة وأمانًا بالنسبة لكثيرين مقارنة بالميكروباص.

وأكد عبده أن نجاح الفكرة على نطاق أوسع يحتاج إلى تنظيم أكثر احترافية، من خلال تطبيقات أو منصات إلكترونية موثوقة تتيح للموظفين العثور على أشخاص يسلكون نفس الاتجاهات بصورة آمنة ومنظمة، بدلًا من الاعتماد على المبادرات الفردية أو مجموعات مواقع التواصل.

وأشار إلى أن التوسع فى حلول النقل التشاركى قد يسهم أيضًا فى تقليل الزحام واستهلاك الوقود، إلى جانب تخفيف الأعباء الاقتصادية على الأسر.

واختتم الخبير الاقتصادى حديثه بالتأكيد على أن استمرار التوسع العمرانى دون تطوير موازٍ لشبكات النقل الجماعى سيزيد من معاناة المواطنين خلال السنوات المقبلة، ما يجعل «النقل التشاركى» واحدًا من الحلول الواقعية التى فرضتها الظروف الاقتصادية الحالية.

وتأتى هذه التحولات بالتزامن مع الزيادات الأخيرة فى أسعار الوقود، والتى انعكست بصورة مباشرة على تعريفة النقل الذكى والتاكسى الأبيض، إذ رفعت شركات النقل الذكى أسعار الرحلات بصورة ملحوظة، بينما يشكو المواطنون من ارتفاع تكلفة التاكسى التقليدى وتراجع مستوى الخدمة وعدم الالتزام بالتعريفة الرسمية.

وبين نار البنزين وازدحام الطرق وفوضى الميكروباص، يبدو أن «التوصيلة مقابل البنزين» لم تعد مجرد فكرة عابرة، بل محاولة جماعية للهروب من أزمة مواصلات تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق