أسرار البركة النبوية في أرزاق المدينة المنورة ومكاييلها

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن المدينة المنورة هي مأرز الإيمان وحرم سيد الخلق ﷺ الذي استجاب الله عز وجل دعاءه فبارك في صاعها ومُدها وضاعف فيها الخيرات، فلقد اصطفاها الخالق سبحانه بقدسية خاصة تمنع صيدها وتقطع شجرها، وجعل الصبر على مشاق العيش فيها بابًا لنيل الشفاعة النبوية.

حرمة المدينة المنورة ومكانتها مقارنة بمكة المكرمة

روى الإمام مسلم -بسنده- عن عبّاد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم أن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [مسلم: ١٣٦٠].

في هذا الحديث بيان لحرمة المدينة المنورة وفضلها ومكانتها، فقد شرفها الله -تعالى- وبارك فيها، ويبدأ الحديث بقوله صلوات الله وسلامه عليه: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»، ولعل القائلين بأن تحريم مكة كان في زمن سيدنا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - يستدلون بهذا، ولكن الصحيح أن تحريم مكة المكرمة كان يوم أن خلق الله السماوات والأرض كما سبق في الحديث الماضي، وقد ذكر العلماء في إسناد تحريم مكة إلى إبراهيم -عليه السلام- احتمالين:

الاحتمال الأول: أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد حرم مكة تبعًا لأمر ربه -سبحانه وتعالى- له، فليس تحريمه لها من عند نفسه ولا باجتهاده، ولهذا أضيف التحريم إليه مرة وإلى الله - سبحانه وتعالى - مرة أخرى.

الاحتمال الثاني: فهو أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - دعا لمكة المكرمة، فحرمها الله سبحانه بسبب دعوته، فأضيف التحريم إليه من أجل ذلك.

وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ»، غيره من الأحاديث الأخرى في كل هذا حجة ظاهرة للإمام الشافعي، والإمام مالك في تحريم صيد المدينة وشجرها.

وأباح الإمام أبو حنيفة ذلك، واحتج بحديث: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ»؟ [البخاري: ٦١٢٩].

والنغير: طائر كالعصفور له منقار أحمر وقيل: هو من صغار العصافير.

والمشهور من مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي، والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها، بل هو حرام بلا ضمان - وذلك لعدم النص، وثبوت التحريم لا يوجب الجزاء ولأصل براءة الذمة -

والمراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا»؛ أي: في المكيل بهما، والأظهر أن ذلك في البركة في المكيل بهما، الذي يكون مستعملًا في الاقتيات في الحال، فلا يتناول ذلك غير الطعام، ولا الطعام المُقتنى، ويتناول كذلك الإدام المأكول الحال الموزون؛ لأن الحديث خرج مخرج الغالب في المعيار، وقد قال سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» [أبو داود: ٣٣٤٠، والنسائي: ٢٥٢٠].

البركة النبوية في أرزاق المدينة المنورة

وقد استجاب الله - سبحانه وتعالى - دعوة رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - فبارك الله - تعالى - في المكيل بصاع المدينة أو مُدِّها، ففي طعام المدينة وأقواتهم خير وبركة من الله -تعالى- بفضل دعوة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أحب المدينة وهاجر إليها، وأحبه أهلها واستقبلوه بالإيمان والتصديق، وبالبشر والترحاب، وفتحوا لدعوته ولركبه دورهم وآووا ونصروا، وآثروا وتعاونوا فكانوا من المفلحين، وكانوا جديرين بفضل الله -تعالى- لهم.

ولم تقتصر دعوة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدهم فحسب، بل إنه قال: «وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ».

ويوضح هذا أكثر حديث أنس رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» [البخاري: ١٨٨٥، ومسلم: ١٣٦٩].

وقد استجاب الله – تعالى - ذلك بما أودعه الله في أرضها ونخلها وزرعها من الخير، وبما يجلبه الناس إليها من كل بقاع الأرض، حتى كثرت بها الأرزاق.

وقد قيل: إن المراد من البركة بركة الدنيا؛ وقيل: يحتمل أن تكون البركة أعم من ذلك، أي ما يشمل الدنيا والآخرة، إلا أنه يُستثنى من ذلك ما خرج بدليل كمضاعفة ثواب الصلاة في مكة، إذ إن الصلاة فيها بمائة ألف صلاة وفي المسجد النبوي بألف صلاة، ولا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق