انتصار السلام في ذكرى تحرير سيناء 25 أبريل

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تهل علينا ذكرى عيد تحرير سيناء، لتكتب بمداد العزة، حقيقةً خالدة بأن السلام الحق لا يُستوهب، بل تحرسه قوةٌ رادعة، تبسط الأمن في الربوع، فبمثل هذه القوة الواعية التي يمتلكها الجيش المصري، تُصان الكرامة، وتُردع الأطماع، ويُصنع استقرار الأمم لتنهض في ظله الحضارات.

ذكرى عيد تحرير سيناء

فلم يكن السلام في تاريخ الأمم مجرّد هدنة عابرة، أو مهادنة اضطرارية، بل كان في حياة الأمم العاقلة منهجَ بناءٍ، ووسيلةَ ترقٍّ حضاريٍّ؛ وهكذا كان في الإسلام منذ أول عهده، حين جعل النبي صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية نقطة تحوّلٍ مفصلية في مسيرة الأمة، وبوّابةً انطلقت منها دعوة الحق لتعمّ الآفاق.

لقد أرسى سيد الخلق ﷺ دعائم المجتمع الإسلامي قبل الحديبية عبر مسارين؛ فبنى الإنسان المؤمن أولاً، غارساً فيه قيم الصبر والإخلاص، ثم شيّد المجتمع على أركان التقوى والعدل، لتأتي "خطة الرشد" في الحديبية بعد ذلك، فتُترجم هذا البناء الإيماني الصلب إلى واقعٍ سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ أبهر التاريخ؛ فذلك الصلح الذي قد يراه البعض تنازلًا، فإذا به في الحقيقة فتحٌ مبين كما وصفه الله في كتابه: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الفتح: ١].

دروس ذكرى تحرير سيناء

في ذكرى تحرير سيناء دروس نبوية في الدفاع عن الأوطان
تأتي ذكرى تحرير سيناء لتؤكد أن السلام ليس خنوعًا، بل هو "خطة رشد" وقوة استراتيجية تحمي الحق وتردع المعتدي.

وكما كانت الحديبية فوزًا بالبصيرة قبل السيف، فإن عزة مصر اليوم هي ثمرة جيشٍ أدرك أن السلام العادل لا يصنعه إلا الأقوياء.

وفي هذا الحديث العظيم نقرأ فيه حدثًا دقيقًا في تاريخ الإنسانية؛ نلتمس فيه الحكمة الراشدة، والقيادة السديدة المؤيدة بنصر الله القوي؛ فجاء في الحديث الشريف الذي يصور لنا هذا الحدث الدقيق في تاريخ الإنسانية، ففي صحيح البخاري، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالاَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ، فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ»، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ ..." [البخاري: ٢٧٣١].

وبعد صلح الحديبية جاء سيدنا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عمرةَ القضاء، فاجتمع المسلمون في مكة، فحاك المشركون مؤامرة لهم، مستغِلّين إعيائهم واعتقادهم بضعفهم بسبب حمى يثرب وطول السفر.

فلما علم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بخُطّة المشركين دعا أصحابه إلى إظهار القوة، وعكس ظن العدو بأنهم ضعفاء، فأمرهم بـ"الاضطباع"؛ وكان الغرض من الاضطباع أن يردع المعتدين بصريًّا، ويمنع استغلال المكان المرتفع والمواقع المحيطة للكعبة، فيظهر المسلمون أقوياء، مُهيّئين للدفاع لا عُرضةً للفتك.

كما روى الإمام الشافعي، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ لِيَسْعَى، ثُمَّ قَالَ: "لِمَنْ نُبْدِي الْآنَ مَنَاكِبَنَا، وَمَنْ نُرَائِي، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَاللَّهِ عَلَيَّ ذَلِكَ، لَأَسْعَيَنَّ كَمَا سَعَى" [الأم، الإمام الشافعي: ٣/ ٤٤٣], فبذلك تحوّل موقف الحذر إلى موقف قوة استراتيجية، نجح في إحباط مخططات الأعداء، وضمان أداء الشعائر بسلام.

ولقد تجلّت في هذا الحدث العظيم القيادة النبوية المؤيدة بمدد العزيز الحكيم، التي جمعت بين الإيمان العميق بحكمة الله عز وجل، والحنكة في السياسة، وحسن التدبير في المفاوضة، دون أن تمسّ حرمةً أو تُفرّط في مبدأ؛ فقد كان الهدف الأعظم تعظيم حرمات الله، والغاية الاستراتيجية فتح مكة، ونشر دعوة الحق جلَّ وعلا ، أمّا الهدف المرحلي فكان الاعتراف بالمسلمين ككيان سياسيٍّ مستقلٍّ له وجوده، واحترامه بين الأمم.

وقد شهد بذلك كبار عقلاء العرب، حتى قال عروة بن مسعود -زعيم ثقيف-: "إنّها خطة رشد"؛ إذ رأى فيها سياسة متزنة، وحكمة متناهية، ومهارة تفاوضية، لا يملكها إلا نبيٌّ مؤيَّد من الخالق الحكيم؛ فكلّ حوارٍ بينه وبين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف عن فارقٍ بين دبلوماسيةٍ قائمةٍ على المصالح الضيّقة، وأخرى قائمةٍ على الحق والعدل والرحمة.

وفي ذلك المشهد تجلّت قوة الإيمان وثبات القيادة؛ فأمسك سيدنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بزمام الموقف، وقاد أمّته إلى النصر بالتأني والصبر، وليس بالعنف والشدة.

وهنا لا بدّ أن نعلم أن للسلام في الإسلام قوةً تحميه وتصونه، فهو ليس خنوعًا ولا ضعفًا، بل حِلمٌ تزنُه الشجاعة، ورحمةٌ تسندها القوة، وقد تجلّت هذه الحقيقة في حديث سيدنا رسول الله المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين رأى أبا دجانة رضي الله عنه يتبختر بين الصفّين يوم أُحد بعد أن أخذ السيف بحقّه، فقال عليه صلوات ربي وسلامه في الحديث، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ» [دلائل النبوة، البيهقي: ٣/ ٢٣٤].

فهذا سلامٌ لا ينفصل عن العزّة، وتواضعٌ لا يُسقط الكرامة، وقوة لا تفقد الرحمة، ومن ثمّ كان السلام في الإسلام موقفَ قوةٍ منضبطةٍ بضوابط الشرع والعقل، تُرهب المعتدي، وتؤمّن المظلوم.

ومن دقائق الحدث أنّ سيدنا المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَبَّى أصحابه قبل ذلك في مدرسة السلام، كما جاء في الحديث، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [الترمذي: ٢٤٨٥، وابن ماجه: ١٣٣٤، وغيرهما]، فعلمهم أنّ الصبر في ميدان التفاوض قد يثمر أكثر من النزال في ميدان القتال، وأنّ التنازل المرحلي ليس ضعفًا، بل حكمة إذا كان في سبيل الحقّ الأعلى، ومن هنا كانت الحديبية درسًا خالدًا في فنّ إدارة الأزمات، ورؤيةً استراتيجية لبناء الحضارة على أساس السلام العادل لا على منطق القهر والغلبة.

فلقد مهّد هذا الصلح لفتح مكة، وأمّن الدعوة، وفتح الأبواب أمام الشعوب لتسمع كلمة الإسلام في طمأنينة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهكذا أثبت الإسلام أن السلام الراشد هو أصل البناء الحضاري، وأن الدماء لا تُشيّد الأوطان بقدر ما تبنيها القلوب المؤمنة والعقول الراشدة.

في ذكرى تحرير سيناء الجيش المصري خيرُ أجنادِ الأرض وصانع السلام

ولئن كانت الحديبية مثالًا خالدًا لقوة السلام المستند إلى الإيمان، فإن مصر عبر العصور كانت المثال الحيّ للقوة التي تصون السلام وتحفظ الأمان.

فجيشها لم يكن أداة بطشٍ ولا غزو، بل درعًا للأمة وسيفًا في يد الحق، يردع من بغى، ويحمي الأرض والعِرض، ويضمن أن يبقى السلام مصونًا بقوة تحفظه وتذود عنه.

ومنذ فجر التاريخ، كانت مصر درّة تاج العرب والمسلمين، إذا استُنهضت نهضت، وإذا دُعيت لبّت، فكانت في كل ميدانٍ رمزَ توازنٍ وردعٍ وسلامٍ آمنٍ.

ولقد علّمتنا الحديبية، كما يعلّمنا تاريخ مصر، أن السلام لا يُحفظ بالنيات وحدها، بل بقوةٍ تحرسه، وجيشٍ يُهاب، وعدلٍ يُحكم، فالأمة التي تمتلك قوةً واعيةً تحفظ كرامتها، تملك السلام الحقّ الذي تُبنى به الحضارات وتستقرّ به الأوطان.

ولنا جميل البشرى من قول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في ما جاء في المؤتَلِف والمختَلِف للدارقطني، و فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم، وتاريخ دمشق لابن عساكر، عن أمير المُؤْمِنين عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا، فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ». فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». [المؤتَلِف والمختَلِف للدارقطني: ٢/ ١٠٠٤، و فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم: ص١٥٧، وتاريخ دمشق لابن عساكر : ٤٦/ ١٦٣].

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق