في تحول يراه مراقبون "تغذية ذاتية" مقلقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بالتهام المحتوى المتاح على شبكة الإنترنت والكتب الرقمية، بل بدأ في ملاحقة الحركات الدقيقة لمبدعيه أنفسهم.
كشف تقرير حديث نشرته وكالة رويترز وتأكدت منه لاحقاً منصات تقنية كبرى، أن شركة ميتا Meta بدأت فعلياً في تسجيل نقرات الماوس، وحركات لوحة المفاتيح، والأنشطة التفاعلية لموظفيها، بهدف استخدام هذه البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
ميتا تعترف بجمع بيانات الموظفين
أكد المتحدث الرسمي باسم ميتا صحة هذه الأنباء، موضحاً أن الشركة أطلقت أداة داخلية مخصصة لالتقاط مدخلات الموظفين على تطبيقات معينة.
وبررت الشركة هذه الخطوة برغبتها في بناء وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على مساعدة البشر في إنجاز المهام اليومية عبر الكمبيوتر، وهو ما يتطلب -حسب زعمها- أمثلة حقيقية من واقع ممارسة البشر الفعلي لمهامهم الوظيفية.
ورغم نبرة الشركة المتفائلة حول تحسين الإنتاجية، إلا أن الخبر أثار موجة من الانتقادات الأخلاقية والمهنية، فعملية تثبيت برمجيات تتبع النقرات، والتي قد تعتبر جريمة جنائية في سياقات غير العمل، أصبحت الآن جزءاً من العقد الوظيفي القسري داخل أروقة عملاق التواصل الاجتماعي.
تكنولوجيا الالتهام الذاتي.. هل يدرب الموظفون بدلاءهم؟
تطرح هذه الممارسة سؤالاً جوهرياً حول أخلاقيات العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، هل يتم إجبار الموظفين الآن على بناء المنصة التي ستؤدي في النهاية إلى الاستغناء عنهم؟ يرى خبراء أن هذه البيانات الدقيقة للغاية قد تُستخدم لاحقاً كذريعة لتنفيذ موجات تسريح واسعة، بمجرد أن تتعلم النماذج كيفية محاكاة "السلوك البشري المحترف" في إنجاز المهام المكتبية والبرمجية.
علاوة على ذلك، رفضت ميتا التعليق على ما إذا كان بإمكان الموظفين اختيار عدم المشاركة في هذا البرنامج الرقابي، أو ما إذا كانوا سيتلقون أي تعويضات مالية مقابل تحويل سلوكهم الوظيفي إلى مادة خام تجارية مملوكة للشركة.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس لشركة ميتا، التي تمتلك تاريخاً طويلاً ومثيراً للجدل في قضايا الخصوصية، ويرى محللون أن لجوء الشركة إلى موظفيها بدلاً من مستخدميها الذين يتجاوز عددهم 3.5 مليار مستخدم لجمع هذه البيانات، يعود ربما إلى الخوف من التبعات القانونية والقضائية التي قد تترتب على مراقبة الجمهور بهذا المستوى المرعب من التفصيل.
ومع ذلك، فإن استغلال القوى العاملة تحت بند "واجبات الوظيفة" يضع الشركة في مواجهة معايير أخلاقية جديدة، ففي اقتصاد يعاني من الهشاشة، قد يؤدي مجرد الإعلان عن تقدم الذكاء الاصطناعي في أتمتة الوظائف إلى رفع أسهم الشركات مؤقتاً، لكنه يزرع بذور انعدام الثقة والولاء داخل بيئة العمل.
هل تجاوز الذكاء الاصطناعي الخطوط الحمراء؟
إن ما يحدث داخل ميتا ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة صياغة لعلاقة الموظف بصاحب العمل، فالموظف لم يعد يُطلب منه تقديم مخرجات العمل فحسب، بل أصبح مصدراً للبيانات السلوكية التي تُسحب منه قسراً لتطوير بديل رقمي.
تبقى التساؤلات قائمة حول مدى قانونية هذه الرقابة اللحظية، وما إذا كانت ستمتد لتصبح معياراً في كافة شركات التكنولوجيا الكبرى، أم ستظل نقطة سوداء في سجل ميتا الحافل باختراق الخصوصية.


















0 تعليق