الاكتئاب يتمدد فى مصر.. وتكلفة العلاج تقصى ملايين المرضى
500 جنيه للجلسة الواحدة والعلاج يحتاج لسنوات
فى ظل كل ما يمر به المجتمع من جرائم غريبة ومثيرة، تعود قضية الصحة النفسية إلى صدارة المشهد مجدداً، مثيرة تساؤلات عميقة عن حجم الأزمة وعمقها داخل المجتمع، ومدى قدرة منظومة الرعاية النفسية على احتوائها قبل أن تتفاقم إلى نهايات مأساوية، وبينما تتسع دائرة الحديث عن الاكتئاب والاضطرابات النفسية كأحد أبرز تحديات العصر، تتكشف فى المقابل فجوة واضحة بين حجم الاحتياج الحقيقى للعلاج والدعم النفسى، وبين تكلفة الحصول عليه، سواء داخل المصحات المتخصصة أو عبر جلسات العلاج الفردى التى تمثل عبئاً مالياً لا يستطيع كثيرون تحمله. ومع ارتفاع الأسعار وتفاوت فرص الوصول إلى خدمات نفسية مهنية، يبرز سؤال ملح: هل أصبحت الصحة النفسية رفاهية فى مجتمع تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية؟ وبين غياب الوعى الكافى، وضعف التغطية التأمينية، وتراجع الإتاحة، تتشابك عوامل متعددة لتصنع أزمة صامتة تتسع يوماً بعد يوم دون حلول جذرية واضحة حتى الآن.
إحدى أبرز الإشكاليات التى يواجهها المرضى تتمثل فى ارتفاع تكلفة جلسات العلاج النفسى والمصحات المتخصصة، خصوصاً فى القطاع الخاص، حيث تتفاوت أسعار الجلسة الواحدة بشكل كبير، ما يجعل الاستمرار فى العلاج عبئاً مالياً على العديد من الأسر.
وبحسب متخصصين، فإن بعض الحالات تحتاج إلى جلسات ممتدة على مدار أشهر، بالإضافة إلى أدوية نفسية قد تكون مرتفعة التكلفة أو تحتاج متابعة دقيقة، وهو ما يدفع بعض المرضى إلى التوقف المبكر عن العلاج.
وتعليقاً على ذلك قالت الدكتورة سوسن الفايد، أستاذ علم النفس السياسى بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن تزايد حالات الانتحار خلال الفترة الأخيرة لا يمكن النظر إليه باعتباره ظاهرة منفصلة أو حوادث فردية معزولة، بل هو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بغياب المعالجات الجذرية وضعف التعامل المؤسسى مع ملف الصحة النفسية، مشيرة إلى أن طريقة إدارة هذا الملف لا تزال تعتمد فى كثير من الأحيان على رد الفعل بعد وقوع الحوادث بدلاً من بناء سياسات وقائية شاملة.
وأضافت «الفايد»، فى حديثها لـ«الوفد»، أن أحد أبرز الإشكاليات يتمثل فى غياب التخطيط الاستباقى للتعامل مع الضغوط النفسية التى يواجهها المواطنون، سواء الناتجة عن الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو الضغوط اليومية المتزايدة، موضحة أن التدخل غالباً ما يأتى متأخراً بعد تفاقم الحالة ووصولها إلى مراحل حرجة، وهو ما يقلل من فرص العلاج الفعال ويزيد من معدلات الخطورة.
وأشارت إلى أن الثقافة المجتمعية السائدة لا تزال تمثل عائقاً رئيسياً أمام انتشار الوعى بالصحة النفسية، حيث لا يزال جزءاً كبيراً من المواطنين ينظر إلى الطبيب النفسى باعتباره مرتبطاً فقط بالحالات “الجنونية”، وهو تصور خاطئ ومشوه، مؤكدة أن الطبيب النفسى يؤدى دوراً طبياً وعلمياً لا يقل أهمية عن أى تخصص طبى آخر، وأن التعامل مع الاضطرابات النفسية لا يختلف فى جوهره عن علاج الأمراض الجسدية.
وتابعت أن هذا الخلط فى المفاهيم يؤدى إلى عزوف الكثيرين عن طلب المساعدة فى الوقت المناسب، ما يفاقم من حدة الأزمات النفسية ويجعلها أكثر تعقيداً مع مرور الوقت، لافتة إلى أن بعض الحالات المرضية العضوية والأدوية المستخدمة فى علاجها قد يكون لها تأثيرات جانبية على الحالة النفسية للمريض، وهو ما يتطلب متابعة دقيقة وتقييماً شاملاً للحالة الصحية والنفسية معاً.
كما أكدت أن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكلفة الخدمات العلاجية، خاصة داخل المصحات الخاصة أو لدى بعض المتخصصين، يمثل عامل ضغط إضافياً يحد من قدرة شريحة واسعة من المواطنين على الوصول إلى العلاج المناسب، مشددة على ضرورة تعزيز دور الجهات الحكومية والمصحات العامة لتقديم خدمات نفسية ميسورة التكلفة، وتوفير بدائل علاجية واضحة وفعالة.
ولفتت إلى أهمية إطلاق مشروع وطنى للتوعية بالصحة النفسية، يهدف إلى إزالة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسى، وربط المرضى بمصادر العلاج المتاحة داخل القطاع الحكومى، موضحة أن العديد من المواطنين لا يدركون أصلاً وجود هذه الخدمات أو كيفية الوصول إليها. وشددت على ضرورة تعزيز خدمات الصحة النفسية وتسهيل الوصول إليها، باعتبار أن الصحة النفسية لم تعد رفاهية، بل جزء أساسى من الصحة العامة والأمن المجتمعى.
فجوة فى الخدمات
ورغم وجود خدمات للصحة النفسية داخل المستشفيات الحكومية وبعض المراكز المتخصصة، إلا أن ضغط الإقبال، وقلة عدد الأطباء مقارنة بعدد الحالات، يخلق فجوة واضحة فى سرعة الحصول على الخدمة وجودتها فى بعض الأحيان، فى المقابل، يقدم القطاع الخاص خدمات أكثر تنوعاً وسرعة، لكنها تبقى غير متاحة لشرائح واسعة بسبب التكلفة، ما يعمق الفجوة فى الوصول إلى العلاج بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
ولا يمكن فصل الحالة النفسية عن السياق الاقتصادى العام، إذ تشير تقارير نفسية واجتماعية إلى أن الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، والقلق من المستقبل المهنى والمعيشى، تعد من أبرز المحفزات لزيادة معدلات التوتر والاكتئاب.
ويرى مختصون أن هذه الضغوط قد تفاقم هشاشة نفسية موجودة بالفعل لدى بعض الأفراد، ما يجعل التدخل المبكر ضرورة وليست خياراً، يؤكد خبراء أن مواجهة الأزمة لا تقتصر على العلاج الطبى فقط، بل تشمل توسيع خدمات الدعم النفسى، ودمج الصحة النفسية داخل منظومة الرعاية الأولية، إلى جانب حملات توعية لتغيير النظرة الاجتماعية تجاه المرض النفسى، كما يشددون على أهمية توفير خطوط دعم نفسى فورية، وتخفيف الأعباء المالية عن جلسات العلاج، باعتبار أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة، وليست رفاهية.
ظروف متشابكة
ويرى الدكتور علاء مرسى، إخصائى الصحة النفسية، أن الضغوط الاقتصادية والظروف المعيشية القاسية تمثل أحد العوامل الرئيسية التى تسهم فى تفاقم الأزمات النفسية لدى بعض الأفراد.
وأوضح مرسى، فى حديثه لـ«الوفد» أن المريض النفسى قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بالعجز الكامل عن حل مشكلاته أو مواجهة التحديات المحيطة به، ما يدفعه إلى تبنى سلوكيات إيذاء الذات، ليس فقط كوسيلة للهروب من الألم، بل أحياناً بدافع معاقبة الآخرين الذين يعتقد أنهم كانوا سبباً فى معاناته، وهو ما يعكس تعقيد الحالة النفسية وتشابك دوافعها.
وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية ليست العامل الوحيد الحاسم، مستشهداً بنماذج تاريخية لأشخاص واجهوا ظروفاً قاسية وتمكنوا من الصمود، مؤكداً أن قوة الشخصية والقدرة على التكيف مع الأزمات تلعب دوراً محورياً فى تقليل احتمالات الانهيار النفسى، لافتاً إلى أن غياب مهارات التعامل مع الضغوط قد يؤدى إلى ضعف فى الصلابة النفسية، وهو ما يزيد من قابلية بعض الأفراد للانزلاق نحو الاكتئاب الحاد.
وأضاف أن بعض الحالات النفسية تتطلب تدخلاً دوائياً لعلاج اختلالات كيميائية فى المخ، بينما ترتبط حالات أخرى بأنماط تفكير سلبية أو مشوهة تحتاج إلى علاج نفسى سلوكى ومعرفى، مشدداً على أن الاكتفاء بالعلاج الدوائى دون معالجة الجوانب الفكرية والسلوكية قد لا يكون كافياً لتحقيق التعافى الكامل. ولفت إلى أن ارتفاع تكلفة جلسات العلاج النفسى يمثل عبئاً إضافياً على المرضى، موضحاً أن أسعار الجلسات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت تصل إلى نحو 800 جنيه قبل عقد من الزمن، بينما باتت بعض الجلسات حالياً تقدم فى مدد قصيرة لا تتجاوز 10 دقائق مقابل 400 جنيه، وهو ما يحد من قدرة المرضى على الاستمرار فى العلاج.
وانتقد مرسى بعض الممارسات المهنية، مشيراً إلى أن بعض الأطباء يركزون بشكل أساسى على وصف العلاج الدوائى دون منح المريض الوقت الكافى للتعبير عن مشكلاته أو مناقشة أبعادها النفسية، مؤكداً أن الاستماع الجيد يمثل ركيزة أساسية فى رحلة العلاج، وأن الجمع بين العلاج الدوائى والدعم النفسى المتكامل هو السبيل الامثل لتحقيق نتائج فعالة. وأوضح أن المرضى الذين يعانون اضطرابات نفسية مزمنة، مثل الفصام (الشيزوفرينيا)، يعيشون فى معاناة مستمرة، ويواجهون صعوبات كبيرة فى الاندماج المجتمعى والحصول على فرص عمل، ما يجعلهم فى حاجة إلى دعم نفسى واجتماعى مستمر مدى الحياة، خاصة أن بعض الحالات لا تستجيب بسهولة للعلاج التقليدى.
وشدد فى ختام حديثه على ضرورة تلبية احتياجات المرضى النفسية، سواء من خلال العلاج أو الدعم المجتمعى، مؤكداً أن لكل حالة طبيعتها الخاصة التى تتطلب أسلوباً علاجياً مناسباً، ما يستدعى تطوير منظومة متكاملة تضمن إتاحة خدمات نفسية فعالة وميسورة للجميع.
أعباء
وقد أكدت بسمة عزت، إخصائى الصحة النفسية، إن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، سواء الداخلية أو المرتبطة بالمتغيرات الخارجية، أصبحت تمثل عبئاً ثقيلاً على الأفراد، ما ينعكس بشكل مباشر على حالتهم النفسية، ويؤدى إلى ارتفاع معدلات الإرهاق والتوتر والاكتئاب، خاصة مع تزايد المسئوليات اليومية.
وأضافت عزت، فى حديثها لـ«الوفد»، أن الاكتئاب يعد من أبرز الاضطرابات النفسية انتشاراً فى الوقت الحالى، مشيرة إلى تعدد أنواعه ما بين الاكتئاب العام المصحوب بنوبات القلق والهلع، والاكتئاب «الصامت» الذى يعد الأخطر، نظراً لارتباطه بالأفكار الانتحارية، لافتة إلى أن شريحة كبيرة من المرضى تعانى فى صمت نتيجة الخوف من طلب المساعدة أو الإفصاح عن معاناتها، تحت ضغط الوصمة المجتمعية التى لا تزال تربط المرض النفسى بالضعف أو العيب.
وأوضحت أن هذه الحالة من الكتمان تدفع المريض تدريجياً إلى الشعور بفقدان المعنى، حيث تتحول الحياة فى نظره إلى حالة من الفراغ وانعدام القيمة، بالتزامن مع إرهاق نفسى مزمن، وهو ما يتطلب تدخلاً مبكراً ودعماً مستمراً، مؤكدة أن الصحة النفسية لم تعد مسئولية فردية فقط، بل مسئولية مجتمعية ومؤسسية تتطلب تدخل الدولة عبر سياسات واضحة وبرامج دعم فعالة. وأكدت أن الوازع الدينى والروحى يلعب دوراً مهماً فى تحقيق قدر من الاستقرار النفسى، إلى جانب أهمية الدعم النفسى الذى يسهم فى تعليم الأفراد كيفية التعامل مع الأزمات وإدارة الضغوط بشكل صحى، مشيرة إلى أن العلاج النفسى عملية مهنية منظمة لا يمكن أن تكون بلا مقابل مادى، لكنها تحتاج إلى ضبط وتوازن يضمن إتاحتها لشريحة أوسع من المواطنين.
ولفتت إلى أن تكلفة جلسات العلاج النفسى تبدأ فى المتوسط من 500 جنيه للجلسة الواحدة، والتى تتراوح مدتها بين 40 و60 دقيقة، وقد تزيد فى الجلسة الأولى، موضحة أن مرحلة التشخيص قد تستغرق نحو 6 جلسات، بينما تمتد رحلة العلاج فى بعض الحالات من 3 إلى 6 أشهر، وهو ما يمثل عبئاً مالياً على كثير من المرضى.
وشددت عزت على ضرورة تكثيف الجهود الحكومية لنشر الوعى بالصحة النفسية، من خلال إطلاق مبادرات توعوية مجانية، وتنظيم ندوات داخل المدارس والجامعات، بهدف تصحيح المفاهيم المغلوطة وكسر حاجز الخوف من طلب المساعدة، مؤكدة أن الاهتمام بالصحة النفسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحة، وأن تلقى العلاج النفسى يجب ألا ينظر إليه على أنه وصمة عار، بل خطوة شجاعة نحو التعافى واستعادة التوازن.


















0 تعليق