قبل ان تقرأ.. ليس لدى أية أوهام بشأن هول الدمار الذى لحق بإيران نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وأن استعادة طهران لعافيتها فى حدود ما جرى حتى الآن قد يستلزم أكثر من عقد من الزمان. لكن هذا شئ والتأكيد على ما أراه فشل الحسابات الأمريكية فى خوض تلك الحرب شئ آخر. إن الخسارة التى لحقت بإيران ليست بالضرورة مكسبا للولايات المتحدة، وإنما العبرة بالخواتيم. وإذا كانت المعركة جارية ولم نصل إلى نهايتها، فإن كل يوم يمر من فصول الأزمة يطرح السؤال بشأن سلامة المنطق الذى أقدمت على أساسه الإدارة الأمريكية بشن عملياتها ضد إيران، دعك هنا من الأساس الأخلاقى أو القانونى فذلك بعد غير قائم من الأصل.
الواقع يقرر أن العملية فاشلة بإمتياز، وهو ما يكشف عن أنها لم تنطلق من أسباب وجيهة أو تخطيط محكم وإنما جاءت فى السياق الذى تشير اليه بعض الرؤى كجزء من ضغط إسرائيلى يمثله نتانياهو بالأساس، وهو سياق كان يستهدف تدمير إيران والقضاء على مصادر قوتها بغض النظر عن التكلفة.
أى متابع لمسار العمليات منذ بدايتها سيدرك انها قامت فى اساسها على فكرة أن اغتيال القيادة الإيرانية سيمثل فرصة ذهبية لخروج الناس إلى الشارع وتغيير النظام. ظهر ذلك فى كلمات ترامب وكذا نتانياهو التى أعقبت الضربة الأولى مباشرة. لكن الإيرانيين خيبوا هذا الظن وتعاملوا بالمنطق الطبيعى للأمور القائم على أنه فى وقت تزايد الخطر الخارجى تتزايد اللحمة بين أبناء الوطن الواحد ولا يصير هناك فرق بين مؤيد ومعارض.
عندما فشل هذا الخيار وبدا أن الضربات الجوية وحدها لن تؤتى أكلها، اتجه التفكير إلى القيام بعمل برى، ولأن ذلك صعب لوجيستيا سواء على القوات الأمريكية أو شريكتها الإسرائيلية فكان الاتجاه إلى التفكير فى الاستعانة بالأكراد كورقة لإنجاز الفكرة. وبالفعل بدأت بعض التحركات على هذا الصعيد، ولكنها فشلت لاسباب مختلفة،فتبخر الرهان الثانى لواشنطن.
ولأن الحرب على إيران حرب اختيار وليست حرب ضرورة، فقد فشلت ادارة ترامب فى تسويقها فى الداخل الأمريكى فكان اتساع نطاق المعارضة لها خاصة مع تجاوزها فترة الشهر. وكان من مفارقات الحرب أنها وهى التى استهدفت خروج الإيرانيين فى الشوارع ضد نظامهم أدت إلى خروج الأمريكيين ضد الإدارة الحاكمة فى واشنطن، فضلا عن أنها بدلا من أن تؤدى إلى تغيير نظام الملالى، أدت إلى بروز مطالبات ومساعى لتغيير النظام الأمريكى ببدء تحركات للبحث فى فكرة عزل ترامب. على هذا النحو تحولت الحرب إلى مأزق للرئيس الأمريكى راح يبحث معه عن أى سبيل للخروج منه دون جدوى فكانت فكرة الهدنة لإلتقاط الأنفاس واعادة ترتيب الاوراق.
دون مبالغة فإن كل ما يسعى اليه ترامب حاليا هو الخروج من الحرب دون أن يبدو مهزوما، وهو ما فرض عليه ممارسة الحرب وإن بوسيلة أخرى هى حصار إيران بحريا لعل ذلك يكسر إرادتها. غير أن قادة طهران الذين يئنون من تبعات الحرب يعلمون فى ذات الوقت أنهم يمسكون بخناق ترامب فى هرمز، ويواصلون إبراز حالة من الصمود تزيد من مأزق الرئيس الامريكى وتفشل فكرة الحصار لتجعله يسعى لاعادة التفاوض لطى ملف الحرب والخروج بشكل يحفظ ماء وجهه.
ربما نخلص من ذلك إلى التأكيد على أنه فى كل الأحوال ستبقى الحرب على إيران حالة بحثية نموذجية للمراكز الأمريكية وغيرها، على أن القوة وحدها لا تضمن النصر، وان غياب الحكمة، كما فى حالة ترامب، قد ينتهى بالبلاد إلى كوارث لا تحمد عقباها.


















0 تعليق