أثار قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتمديد وقف إطلاق النار مع إيران موجة واسعة من التساؤلات بعدما كان قد تعهد سابقا بعدم تمديد الهدنة وهو ما زاد من تعقيد المشهد السياسى والعسكرى ووسع نطاق التفسيرات بشأن نواياه خاصة فى ظل أسلوبه الذى يوصف بغير المتوقع فى إدارة الأزمات.
جاء إعلان «ترامب» بشكل مفاجئ عبر منصة تروث سوشال حيث أرجع قراره إلى ما وصفه بانقسام حاد داخل الحكومة الإيرانية، مشيرا إلى أن مسئولين باكستانيين طلبوا منه اتخاذ هذه الخطوة كما أكد أن الولايات المتحدة ستواصل فرض الحصار على الموانئ الإيرانية إلى حين تلقى مقترح موحد من طهران.
وفى تصريحات لاحقة أشار «ترامب» إلى أن إيران لا ترغب فعليا فى إغلاق مضيق هرمز بل تسعى لإبقائه مفتوحا لتحقيق عوائد مالية تصل إلى 500 مليون دولار يوميا، مؤكدا أن طهران تخسر هذه العائدات فى حال الإغلاق واعتبر أن تهديداتها تأتى فى إطار محاولة حفظ ماء الوجه بعد فرض الحصار الأمريكى.
وأضاف أن هناك تواصلا جرى معه قبل أيام من أطراف قالت إن إيران تريد فتح المضيق فورا لكنه شدد على أن ذلك لن يؤدى إلى أى اتفاق ما لم تقدم طهران تنازلات واضحة ملوحا بإمكانية تصعيد كبير قد يصل إلى تدمير ما تبقى من قدرات إيران إذا لم يتم التوصل إلى صفقة.
بالتزامن مع ذلك ألغيت زيارة نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس إلى إسلام آباد التى كان من المقرر أن يقود خلالها محادثات مع إيران، وذلك قبل يوم واحد من موعدها بحسب مسئول فى البيت الأبيض ما عكس ارتباكا فى التحركات الدبلوماسية.
على الجانب الإيرانى قوبل القرار برفض واضح حيث اعتبر مهدى محمدى مستشار رئيس البرلمان أن تمديد الهدنة لا يعنى شيئا داعيا إلى رد عسكرى ومؤكدا أن الطرف الخاسر لا يمكنه فرض شروطه كما وصف الحصار الأمريكى بأنه لا يختلف عن القصف معتبرا الخطوة محاولة لكسب الوقت تمهيدا لضربة مفاجئ.
فى المقابل شدد وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت على استمرار الحصار، مشيرا إلى أن منشآت تخزين النفط فى جزيرة خرج الإيرانية ستصل إلى طاقتها القصوى خلال أيام ما يعكس ضغطا اقتصاديا متزايدا على طهران.
التناقض فى تصريحات ترامب زاد من تعقيد المشهد حيث جمع بين تمديد الهدنة والاستمرار فى التصعيد الاقتصادى والعسكرى وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى إبقاء الخصم فى حالة ارتباك دائم.
وفى هذا السياق قال جيمس جيفرى السفير الأمريكى السابق لدى العراق وتركيا فى تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية إن ترامب ليس أول رئيس يلوح بتصعيد عسكرى كبير ويطرح فى الوقت نفسه صفقة مؤكدا أن الحروب لا تنتهى وفق صيغة واضحة.
كما اعتبر بريان كاتوليس الباحث فى معهد الشرق الأوسط أن القرار يحمل طابعا براجماتيا ويستند إلى الانقسامات داخل القيادة الإيرانية لكنه حذر من أنه يزيد الغموض بشأن مستقبل الحرب ويطرح تساؤلات حول قدرة ترامب على التعامل مع الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.
ومع تمديد وقف إطلاق النار حصل الطرفان على وقت إضافى لمحاولة التوصل إلى اتفاق إلا أن التحديات لا تزال قائمة، إذ تعتبر إيران الحصار الأمريكى عملا حربيا بينما يصر ترامب على عدم رفعه رغم أن هذه الضغوط لم تنجح حتى الآن فى تغيير سلوك طهران ما يضع الطرفين أمام خيارات محدودة أبرزها التصعيد العسكرى.
فى المقابل لم تظهر إيران أى استعداد للتخلى عن برنامجها النووى أو وقف دعمها لحلفائها فى المنطقة وهما من أبرز الشروط التى يضعها ترامب لأى اتفاق نهائى وهو ما يجعل الوصول إلى حل سريع أمرا بعيد المنال.
وبحسب مراقبون فهناك عدة سيناريوهات ومنها الاحتمال الأول كسب االوقت خاصة فى ظل عدم ضمان مشاركة إيران فى المفاوضات وهو ما قد يضع الإدارة الأمريكية فى موقف محرج كما يمنح هذا التأجيل فرصة لمحاولة بلورة موقف إيرانى موحد أو تحسين شروط التفاوض بجانب الاحتمال الثانى التحضير لضربة مباغتة حيث تزايدت التكهنات حول أن يكون تمديد الهدنة جزءا من تحضير لعمل عسكرى مفاجئ خاصة مع تقارير عن توجه حاملة الطائرات الأمريكية جورج بوش إلى الشرق الأوسط إضافة إلى حديث عن تبنى استراتيجية الغموض المتعمد لإبقاء الخصم فى حالة إرباك إلى جانب تقارير إسرائيلية تشير إلى حالة استنفار قصوى واستعداد لاستئناف العمليات العسكرية فى أى لحظة.
كما أثار حديث المحلل السابق فى وكالة الاستخبارات المركزية لارى جونسون جدلا بعد إشارته إلى نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول استخدام الرموز النووية وحدوث مواجهة مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين الذى عارض هذا التوجه فيما أشارت تقارير صحفية إلى وجود تباين بين القيادة السياسية والعسكرية فى تقدير مسار الحرب.
الاحتمال الثالث، تشير تقارير إلى أن أحد أبرز دوافع قرار التمديد يتمثل فى انتظار رد المرشد الأعلى الإيرانى مجتبى خامنئى حيث لا يزال الوفد الإيرانى بانتظار الضوء الأخضر لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن المفاوضات خصوصا فى ما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم ومخزون البلاد من هذه المادة.
كما أفادت تقارير بأن الوسيط الباكستانى وعد الإدارة الأمريكية بالحصول على رد إيرانى قبل الجولة الثانية من المفاوضات إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن فى ظل استمرار الخلافات داخل طهران بشأن صلاحيات المفاوضين وحدود التنازلات الممكنة.


















0 تعليق