تعد اللغة العربية من أبرز مظاهر الهوية الحضارية للأمة، وقد مرت بمراحل تطور عميقة، تأثرت فيها بالعوامل الاجتماعية والثقافية والدينية، وكان لنزول القرآن الكريم الدور الحاسم في تثبيت قواعدها، وتوحيد لهجاتها؛ لتصبح وعاءً خالدًا للعلم والدين والحضارة.
من شتات اللهجات إلى وحدة النص وتخليد القرآن
شهد العرب قبل الإسلام اعتزازًا بلغتهم، وكان لهم مؤتمرات لغوية سنوية في مكة والطائف، يجمعون فيها الشعراء والخطباء؛ لتتسابق في البلاغة والبيان.
وقد كان من أكبر أهداف هذه الاجتماعات " توحيد اللغة والمحافظة عليها" وسط تعدد لهجات القبائل العربية، ومن ثم أصبحت لغة قريش معيارًا للمقام الفصيح؛ إذ كانت هذه القبيلة تستقطب الألفاظ الحسنة من لغات الحجاج العرب وتتبناها، بينما تهمل ما تراه غريبًا أو ثقيلًا.
ثم جاء الإسلام فحفظ اللغة العربية، وأرساها نصُّ القرآن الكريم؛ إذ نزل بلسان قريش، فكان القرآن بمعجزته البلاغية قاصمًا للخصوم، وفاق كلام جميع العرب فصحاء ومجاهِرين.
فقد جاء في الحديث، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى سيدنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَذَكَرَ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ قَالَ الْوَلِيدُ: "وَاللهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَه" [البيهقي في شعب الإيمان: ١٣٣].
ولم يقتصر تأثير القرآن على القلوب فحسب، بل كان له دور في توحيد الشمل اللغوي، ومحاربة لهجات اللهو، وتكرَّر التحدي القرآني للأعراب: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبࣲ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُوا۟ شُهَدَاۤءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [البقرة: ٢٣]، فما كان ليدعي عاقل تمكن العرب من إيجاد معادل له.
حفظ اللغة العربية ونشرها في العصور الإسلامية
بعد الفتح الإسلامي، ازدادت الحاجة إلى تدوين قواعد اللغة العربية، بسبب التفاعل مع الأعاجم؛ فيروي لنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبى هاشم البزار، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ النَّحْوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، ثُمَّ مَيْمُونٌ الْأَقْرَنُ، ثُمَّ عَنْبَسَةُ الْفِيلُ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: وَوَضَعَ عَيِسى بْنُ عُمَرَ فِي النَّحْوِ كِتَابَيْنِ، سَمَّى أَحَدَهُمَا الْجَامِعَ، وَالْآخَرَ المُكَمِّلَ، كما قام الخليل بن أحمد بنفسه بتصنيف (كتاب “العين”) للحفاظ على مفردات اللغة من الضياع.
واتسع استخدام اللغة العربية؛ ليشمل الفتوحات والكتابات الرسمية، فضُمّن القرآن والنصوص الدينية التثبت الكامل من العربية الفصيحة، وقد اجتهد العلماء المسلمون في الحفاظ على اللغة العربية، ومكافحة اللحن، والاندماج الأجنبي في مفرداتها بحزم، وجمع المصحف في عهد الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه.
ومن ثم بقيت العربية محفوظةً، مستنيرةً بالقرآن والسنة، رغم اعتداءات اللغات الأخرى عليها، يقول الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، في إشارة إلى حفظ معاني القرآن ولغته عبر الدهر.


















0 تعليق