فى مشهد يعكس مدى تعقيدات السياسة الخارجية الصينية، تجد بكين نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية والخطورة فى الشرق الأوسط تفرض عليها بعض التوازونات حتى لا تفقد هيمنتها، حيث تتقاطع مصالحها الاقتصادية المتنامية مع حساباتها السياسية الدقيقة، فبينما تسعى إلى ترسيخ حضورها كقوة اقتصادية رئيسية فى المنطقة، تفرض عليها استثماراتها الضخمة فى دول الخليج قيوداً على طبيعة اصطفافها مع إيران، فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع المخاطر الأمنية.
فخلال السنين القليلة الماضية، ضاعفت الصين حضورها الاقتصادى فى الشرق الأوسط، مستفيدة من التحولات التى أعقبت جائحة كورونا، ومن توجه دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، وقد وجدت الشركات الصينية فى قطاعات مثل الطاقة النظيفة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا فرصاً واسعة للنمو، ما أدى إلى تدفق استثمارات ومشاريع تُقدّر قيمتها بأكثر من 269 مليار دولار فى المنطقة.
ولم يكن هذا التوسع عشوائياً، بل جاء ضمن استراتيجية فى منتهى الدقة، حيث أصبحت دول الخليج من أبرز الشركاء، مدفوعة بقدرتها المالية واستقرارها النسبى مقارنة بأسواق نامية أخرى واجهت أزمات ديون، ونتيجة لذلك تجاوز التمويل الصينى فى المنطقة نظيره الأمريكى خلال السنوات الماضية، فى مؤشر واضح على تحول موازين النفوذ الاقتصادى.
وتحتل دول الخليج موقعا محورياً فى هذه الاستراتيجية، حيث باتت السعودية أكبر متلق لنشاط البناء الصينى عالمياً، خصوصاً فى مشاريع الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما تشهد الإمارات توسعاً ملحوظاً فى مشاريع التكنولوجيا المتقدمة، بما فى ذلك أنظمة تخزين الطاقة ومراكز البيانات.
ويعكس هذا التقارب توافقاً فى المصالح؛ فدول الخليج تبحث عن شركاء يمتلكون الخبرة التقنية والقدرة على التنفيذ السريع، بينما ترى الصين فى هذه المشاريع فرصة لتعويض تباطؤ اقتصادها المحلى وتعزيز حضور شركاتها عالمياً.
وفى المقابل تظل إيران شريكا مهما للصين على الصعيدين السياسى والاقتصادى، إلا أن حجم الاستثمارات الصينية فى الخليج يفرض على بكين قدراً من الحذر فى دعم طهران، فالتصعيد العسكرى فى المنطقة لا يهدد فقط الاستقرار، بل يضع أيضاً مشاريع صينية حيوية فى دائرة الخطر.
وخلال المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعرضت بالفعل بعض الأصول المرتبطة بالصين لهجمات، فيما تقع مشاريع أخرى فى مناطق عالية المخاطر.
وبالتالى انعكست هذة التوترات الإقليمية المتصاعدة بظلالها على حسابات الصين، إذ لم تعد المنطقة «فرصة سهلة» كما كانت فى السابق، فالمخاطر الأمنية واحتمالات تعطل سلاسل الإمداد، وتهديد العمال والمشاريع، كلها عوامل تدفع بكين إلى إعادة تقييم استراتيجيتها دون التخلى عنها، كما يزيد من الضغوط على بكين لتبنى موقف متوازن يحافظ على مصالحها مع جميع الأطراف، ويبرز هذا التوازن فى الدعوات الصينية المتكررة لخفض التصعيد وحماية طرق الملاحة والبنية التحتية للطاقة.
وتواصل المشاريع الصينية أعمالها فى عدة دول بالمنطقة، ما يشير إلى مدى تمسك بكين بمسارها طويل الأجل، كما أن الفجوة فى الأجور والفرص الاقتصادية تدفع آلاف العمال الصينيين إلى البقاء، رغم التحديات الأمنية.وترى الصين فى الأزمة الحالية فرصة لتعزيز دورها المستقبلى، فالتراجع النسبى فى ثقة بعض دول المنطقة بالدور الأميركى قد يفتح المجال أمام بكين لتوسيع نفوذها الاقتصادى، كما أن التحولات فى أنماط التجارة مثل استخدام اليوان فى بعض المعاملات المرتبطة بالطاقة، قد تعزز مكانة العملة الصينية دولياً.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن الصين ستواصل تعزيز حضورها فى الشرق الأوسط بعد انتهاء الصراع، مستفيدة من خبراتها فى إعادة الإعمار والبنية التحتية، ومن قدرتها على تقديم تمويل وتنفيذ سريع للمشاريع.
وتبرز التطورات الجارية أن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادى فى الشرق الأوسط، بل أصبحت طرفاً فاعلاً تتشابك مصالحه مع تعقيدات الأحداث فى الشرق الأوسط، وبين طموح التوسع الاقتصادى وضغوط التوازن السياسى، تبدو بكين وكأنها تتعامل مع الأزمة باعتبارها «عاصفة مؤقتة» تسعى لتجاوزها بأقل الخسائر، مع الحفاظ على موقعها كلاعب اقتصادى رئيسى فى المنطقة.


















0 تعليق