كشف كتاب "صاغة مصر: النشأة وتطورها التاريخي" للكاتب الصحفي د. وليد فاروق عن دور الأرمن البارز في صناعة الذهب في مصر، مبرزًا التأثير الذي تركوه على هذه الصناعة التي ارتبطت بالمهارة الحرفية العالية والتقاليد التاريخية العريقة.
ويتناول الكتاب تطور صناعة الذهب في مصر وكيف أسهم الأرمن بشكل أساسي في نقل الحرف والمفاهيم المتعلقة بهذه الصناعة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين.
ويعرض معلومات تفصيلية حول تاريخ صناعة الذهب في مصر، مع التركيز على دور الأرمن في تحويل هذه الصناعة إلى واحدة من أبرز الحرف في السوق المصري.
الهجرة الأرمنية: بداية تأثير الأرمن على صناعة الذهب
في الأربعينيات من القرن الماضي، بلغ عدد الأرمن في مصر حوالي 10،000 نسمة؛ هذه الهجرة الكبيرة للأرمن بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نتيجة للاضطهاد والإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في الإمبراطورية العثمانية عام 1915م، ما دفعهم للهجرة إلى مصر.
في البداية كانت الهجرة طوعية، ولكنها أصبحت قسرية مع بداية القرن العشرين بسبب الظروف السياسية والاقتصادية التي كانوا يواجهونها. ومع وصولهم إلى مصر، جلب الأرمن مهاراتهم في صياغة الذهب والمجوهرات، وهو ما أسهم بشكل كبير في تطوير هذه الصناعة.
الاحتلال العثماني وتأثيره على صناعة الذهب
يستعرض الكتاب أيضًا كيف أثر الاحتلال العثماني لمصر في عام 1517م على الحرفيين المصريين، حيث نقل العثمانيون العديد من أصحاب الحرف الفنية من المصريين إلى الأستانة. كانت هذه الحرف تتضمن صناعة الذهب، مما أثر سلبًا على صناعة الذهب في مصر. ومع تقدم الزمن، كانت الهجرة الأرمنية هي الحل لاستعادة الحرف اليدوية والمهارات التي فقدتها مصر بسبب الاحتلال العثماني.
الأسطوات الأرمن: نقل الفنون العثمانية إلى مصر
تعد صناعة الذهب واحدة من أقدم وأشهر الحرف التي زاولها الأرمن في مصر؛ ويشير عطا درغام في كتابه إلى أن هناك ثلاث محطات تاريخية رئيسية شكلت هذه الحرفة في مصر:
الاحتلال العثماني لمصر في 1517م والذي ساهم في تراجع المهارات الحرفية المحلية.
الدور الأجنبي في إدخال الموديلات الأوروبية الحديثة من المجوهرات، خاصة بعد وصول الفرنسيين والإنجليز إلى مصر.
إبادة الأرمن في أواخر القرن التاسع عشر، والتي أسفرت عن نزوح العديد من الحرفيين الأرمن إلى مصر، وهو ما أدى إلى تطور مهارات صياغة الذهب بشكل ملحوظ.
العديد من الحرفيين الأرمن الذين وصلوا إلى مصر كانوا قد عملوا في أسواق الصياغة في الأستانة، وكان لديهم قدرة كبيرة على تنفيذ الموديلات الأوروبية وتقديم تصاميم مبتكرة، وهو ما منحهم ميزة في سوق المجوهرات المصري.
الذهب الأرمني في مصر: من المصوغات إلى الصياغة الحرفية
أشار الكتاب إلى أن الأرمن ساهموا في إنتاج التصميمات الأوروبية الحديثة من خلال خبراتهم المميزة في المجوهرات وصياغة الذهب.
كما كان لهم دور كبير في إنتاج المصوغات الذهبية عيار 18، وهي المصوغات التي كانت نادرة في السوق المصري حتى الخمسينيات من القرن الماضي، حيث كان المصريون يقبلون عادة على الذهب عيار 21.
إلا أن الأرمن، من خلال التصميمات الأوروبية عالية الجودة، نجحوا في إقناع السوق المصري بقبول المصوغات الذهبية عيار 18، مما دفع بعجلة صناعة الذهب في مصر إلى الأمام.
التوزيع الجغرافي للصياغ الأرمن
توزع الأرمن في مصر، وخاصة في القاهرة والإسكندرية، حيث تركزوا في خان الخليلي ووكالة الجواهرجية في القاهرة، وفي شوارع فرنسا وسوق الصيارفة بالإسكندرية.
وفقًا لدراسة إحصائية لعام 1882م، بلغ عدد الصياغ الأرمن في مصر 101 صائغًا، بينما كان عدد الصياغ المسلمين 106 صائغين، ما يعكس التنافس الكبير بين الأرمن والمصريين في مجال صناعة الذهب.
العلامات العائلية في الصياغة الأرمنية
من أبرز السمات التي تميزت بها مهنة الصياغة الأرمنية في مصر هي الطابع العائلي لهذه الحرفة.
فعديد من العائلات الأرمنية مثل جيفا هير جيان، موجيان، وهرجيان أسهمت بشكل كبير في تطوير هذه الحرفة على مر الأجيال، حيث كانت العائلة هي العامل الرئيسي في تعليم هذه المهارة ونقلها من جيل إلى جيل.
وكانت العديد من محلات الذهب الشهيرة مثل محل سركيس وفاهان كيزيليان، الذي كان يقع في وكالة الجواهرجية بالقاهرة، تستقطب الزبائن من مختلف الجنسيات.
فبجانب المصريين، كان الأرمن والشوام والأوروبيون يشكلون جزءًا كبيرًا من زبائن هذه المحلات.
تأثير مغادرة الأرمن على صناعة الذهب في مصر
شهدت صناعة الذهب في مصر تراجعًا ملحوظًا بعد مغادرة الأرمن من البلاد، وذلك بسبب فقدان المهارة الحرفية التي كانوا يتمتعون بها.
كما أن رحيلهم أدى إلى تأثير اقتصادي على السوق المصري، حيث غادر العديد من رؤوس الأموال المرتبطة بصناعة الذهب والمجوهرات.
ورغم ذلك، لا تزال بعض العائلات الأرمنية التي تمارس مهنة الصياغة في مصر، مما يدل على استمرار تأثيرهم العميق في هذه الصناعة.













0 تعليق