من المقرر شرعًا أن تلقين الميت بعد الدفن سنة نبوية شريفة؛ فعن أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمُ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ ليَقُلْ: يَا فُلَان بْنَ فُلَانَةَ. فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ، فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا» رواه الطبراني.
حكم تلقين الميت بعد الدفن
تلقين الميت من السنن المستحبات بعد الدفن، بل عدها جماعة مِن العلماء من المسائل التي تميَّز بها أهل السنة والجماعة عن أهل الفرق الأخرى كالمعتزلة وغيرهم، واستدل أهل العلم على مشروعية التلقين بالكتاب والسنة وعمل السلف وإجماع المسلمين العملي من غير نكير؛ فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].
قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "المسالك في شرح موطأ مالك" (3/ 520، ط. دار الكتب العلمية): [وهو مستحَبٌّ، وهو فعل أهل المدينة والصالحين والأخيار؛ لأنه مطابق لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (1/ 329، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(وأن يلقن الميت) لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة] اهـ، ونحوه للإمام الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 60، ط. دار الكتب العلمية).
ومن السنة: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أخرجه مسلم وغيره من حديثي أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما.
قال الحافظ العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 35، ط. مكتبة الرشد): [واستدل الشافعي بظاهر الحديث على أن التلقين بعد الدفن] اهـ.
وقال الإمام أبو إسحاق الصفَّار البخاري الحنفي (ت534هـ) في "تلخيص الأدلة لقواعد التوحيد": [وعند أهل السنة والجماعة هذا الحديث محمول على حقيقته؛ لأن الله تعالى يحييه، على ما جاءت به الآثار] اهـ، نقلًا عن "الإيضاح والتبيين لمسألة التلقين" (ص: 177، ط. دار البشائر الإسلامية).
وقال الإمام جلال الدين الخبَّازي الحنفي (ت691هـ) في "شرح الهداية" مستدلًّا على مشروعية التلقين: [وقوله: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» دليلٌ عليه؛ لأن حقيقة الميت: من مات، وأما قبل الموت: فمجاز، ومشروعيته -يعني: حينئذٍ- بدليل منفصل. وقد حمل بعضهم قوله عليه السلام: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» على هذا، وهو حقيقة؛ فإن حمله على المحتضر مجاز؛ إذ لم يمت بعدُ] اهـ نقلًا عن "الإيضاح والتبيين لمسألة التلقين" (ص: 176).
واستدل القاضي أبو بكر بن العربي المالكي بهذا الحديث على استحباب التلقين؛ كما في "المسالك في شرح موطأ مالك" (3/ 520).
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 329): [قال بعضهم: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» دليلٌ عليه -أي: على التلقين-؛ لأن حقيقة الميت: مَن مات، أما قبل الموت -أي: وهو ما جرى عليه الأصحاب كما مر- فمجازٌ] اهـ.
- وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: إذا أنا مِتُّ فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصنع بموتانا؛ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: « إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: «فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلَانَ بْنَ حَوَّاءَ» رواه الطبراني في "الدعاء" و"المعجم الكبير" -ومن طريقه الضياء المقدسي في "أحكامه"-، وإبراهيم الحربي في "اتباع الأموات"، وأبو الحسن الخِلَعي في "الخِلَعيات"، وأبو الحسن الهكَّاري في جزئه "هدية الأحياء للأموات"، وأبو عبد الله الثقفي في "الأربعين"، والمستغفري في "الدعوات"، وأبو بكر غلام الخلال في "الشافي"، وابن زبر الربعي في "وصايا العلماء عند الموت".
وهذا الحديث صححه الحافظ أبو منصور عبد الله بن الوليد الحنبلي؛ حيث ذكره في كتابه "جامع الدعاء الصحيح"، وأفرد له الحافظ المنذري جزءًا في تقويته وتتبع شواهده، وقال الإمام أبو البركات بن تيمية الحنبلي في "شرح الهداية" بعد أن ساق الحديث من طُرُق: [في هذه الأسانيد مقال، وأصلحُها إسناد أبي بكر في "الشافي".. وتعددُ الطرق مما يُغَلِّب على الظن صحةَ الحديث] اهـ نقلًا عن رسالة "الإيضاح والتبيين لمسألة التلقين" (ص: 170، ط. دار البشائر) للحافظ السخاوي.


















0 تعليق