دﻋﺎء زﻳﺪان ﻣﺪﻳﺮ اﻻﺳﺘﺜﻤﺎر ﺑﺸﺮﻛﺔ ﺗﺎﻳﻜﻮن ﻟﺘﺪاول اﻷوراق اﻟﻤﺎﻟﻴﺔ
55 ألف نقطة مستهدف المؤشر الرئيسى
ليست سوى وهمٍ صنعه الخوف، أو نتيجة لتجارب لم تكتمل، أو محاولات توقفت قبل أن تصل إلى نهايتها الحقيقية، فالمسيرة لا تعترف بالحدود التى نرسمها نحن، بل تكافئ فقط من يجرؤ على تجاوزها.. القمة لا تُغلق أبوابها أمام أحد، لكنها تختبر فقط من يملك الجرأة على الصعود، والصبر على الاستمرار.. وكذلك محدثتى تؤمن بأن المستحيل ليس جدارًا صلبًا، بل فكرة قابلة للكسر، تتلاشى مع الإصرار، وتتفتت أمام المحاولة المستمرة.
تذكر دائمًا.. أعظم الإنجازات فى التاريخ لم تولد من بيئة مثالية، بل خرجت من رحم التحدى، وعلى هذا الأساس كان مشوار محدثتى منذ الصبا.
دعاء زيدان مدير الاستثمار بشركة تايكون لتداول الأوراق المالية.. تفتش دائما عن التميز كما لو كانت تبحث عن كنز لا يُرى بالعين، ومع كل تجربة، تتغير النظرة، أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق وما لا يستحق وهو سر تميزها.
على الضفة الأخرى من أحد أطول شوارع مصر الجديدة فى القاهرة، يمتد الشارع الذى يحمل اسم زعيمٍ دينى وسياسى، لم يكن مصرى الجنسية، لكنه نقش اسمه فى وجدان الوطن بدوره وتأثيره.. هناك، فى شارع الميرغنى، لا تبدو الأرصفة مجرد ممرات عابرة، بل صفحات صامتة من حكاية طويلة، تختزن بين حجارتها إرثًا من الذكريات والتاريخ.
على مقربة، يقف مبنى شاهدًا حيًّا على زمنٍ مرّ، وعلى تفاصيل لا تُروى إلا لمن يعرف كيف يقرأ الأماكن. بالطابق الرابع، يمتد ممر قصير، هادئ كأنه فاصل بين مشهدين، يفصل بين مدخلين متجاورين. إلى اليسار، خلف أبواب عدة، تختبئ غرفة بسيطة فى مظهرها، لكنها عميقة فى دلالاتها.
داخل هذه الغرفة، ثلاثة مكاتب فقط.. لكن أحدها يحمل ثقل القرار. على سطحه، جهاز محمول، وآخر مكتبى، شاشتاهما لا تعرفان السكون، نوتة صغيرة، تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها خريطة يومية لعمليات البيع والشراء، وسجل حىّ لتحركات الأسهم.. ليست مجرد صفحات مؤرخة، بل ذاكرة ممتدة، تختزن رحلة طويلة، مسارًا يستحق أن يُرفع له القبعة. رحلة تعلّمت كيف تثبت أمام العواصف، كيف لا ترتجف حين تضيق الطرق، وكيف تواصل الاشتعال مهما اشتدت الرياح. إنها معادلة دقيقة، تنسج خيوطها بين الشغف والانضباط، بين الحلم والعمل، بين وضوح الرؤية وطول الصبر.. شغف لا يعرف الاكتمال.. ذلك هو السر. سر أولئك الذين لا يرضون بالوقوف، ولا يكتفون بما تحقق، ولا يقبلون إلا بأن يعيدوا تشكيل أنفسهم فى صورة أفضل، مرة بعد مرة، دون كلل أو تراجع.
بثقة وهدوء، لا صخب فى تفسيرها للمشهد، تحليلها يتسم بالدقة، طرحها متوازن، ورؤيتها مشبعة بتفاؤل محسوب. ترى أن الحكومة، على مدار عام 2025، نجحت فى عبور حقل معقد من التحديات؛ من اضطرابات خارجية وتوترات جيوسياسية، إلى ضغوط داخلية متراكمة، لكنها استطاعت رغم ذلك أن تمضى فى مسار التيسير النقدى بثبات، وقد تحقق ذلك مع خفض أسعار الفائدة بنحو 7.25% بنهاية العام، بالتوازى مع انحسار ملحوظ فى معدلات التضخم، التى عادت إلى مستويات أكثر استقرارًا مقارنة بالفترات السابقة..
بحسب قراءتها الدقيقة، نجحت الإجراءات الإصلاحية فى بلوغ أهدافها المرسومة، وكأن المشهد كان يسير وفق سيناريو محسوب الخطوات.. غير أن الاقتصاد، بطبيعته، لا يعترف بالثبات طويلًا. فما إن أشرقت شمس عام 2026، حتى تبدلت ملامح الصورة، وجاءت الرياح بما لا تشتهى السفن، فجأة، أعيد تشكيل المشهد الاقتصادى تحت وطأة توترات جيوسياسية متصاعدة، وتصعيد عسكرى متسارع فى منطقة الشرق الأوسط، ليُفتح باب جديد من الضغوط العالمية، عبر موجة تضخمية عاتية بدأت فى التسلل إلى اقتصادات الدول، مدفوعة بارتفاع حاد فى أسعار المواد البترولية، وقفزات متتالية فى تكاليف الشحن، واضطرابات متلاحقة فى سلاسل الإمداد.. وكأن العالم يعيد اختبار قدرته على الصمود من جديد.
فى خضم هذه العاصفة، لم يكن أمام الاقتصادات سوى اللجوء إلى سياسات أكثر تحفظًا، فمالت الكفة نحو النهج الانكماشى، حيث استعادت البنوك المركزية دورها التقليدى فى احتواء التضخم، مستخدمة أدواتها النقدية لكبح جماح الأسعار وضبط الإيقاع. ومع ذلك، برز الاعتماد على ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة» كخيار سريع، وإن كان محفوفًا بالمخاطر؛ فهى، وإن بدت كمسكنات آنية، تظل سلاحًا ذا حدين، قد يمنح دَفعة مؤقتة، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا.
ورغم هذا التعقيد، تكشف الصورة عن قدر من التماسك اللافت.. إذ تمكنت المؤسسات من إدارة المشهد بقدر كبير من الاحترافية، ونجحت فى امتصاص صدمات تخارج تلك الأموال، دون أن تنزلق إلى اضطرابات حادة. وهنا، يظهر تميز السوق المحلى، الذى بدا أقل تأثرًا بتداعيات الصراع الإيرانى-الأمريكى، مقارنة بغيره من الأسواق، واستطاع أن يعبر العاصفة بأقل الخسائر.
• إذن.. كيف ترين ملامح المشهد الاقتصادى فى ظل استمرار هذه التوترات الجيوسياسية؟
< تتوقف للحظة، لا لتبحث عن إجابة، بل لترتبها بثقة قائلة إن «تعليق الحرب لن يكون مجرد هدنة عابرة، بل نقطة تحول تحمل فى طياتها أثرًا إيجابيًا عميقًا على السوق المحلى؛ سوق أثبت، رغم العواصف، قدرته على التماسك، بل وعلى جذب الاستثمارات واستعادة التدفقات الأجنبية، مستفيدًا من حالة الاستقرار والأمان التى يتمتع بها».
حديثها لا يعرف المراوغة، ولا يتخفى خلف العبارات الملتبسة.. وبنفس هذا اليقين، تنتقل إلى ملف السياسة النقدية، حيث ترى أن دور البنك المركزى يتجاوز كونه مجرد متحكم فى أسعار الفائدة، ليصبح صانع توازن دقيق داخل الاقتصاد.
تتحدث عن أدواته بقوة، والاتجاه إلى سياسة انكماشية تُستخدم حين تشتعل الأسعار، وأخرى توسعية تُستدعى حين يتطلب الأمر تحفيز النمو. وبين هذا وذاك، تبرز مهارة إدارة «الأموال الساخنة»، ليس فقط فى جذبها، بل فى احتوائها ومنع تخارجها بشكل مفاجئ قد يربك المشهد بأكمله، لكن ما يميز رؤيتها حقًا، هو إيمانها بأن الاقتصاد لا يُبنى على ردود الأفعال، بل على دروس الماضى. فالتعلم من التجارب، فى نظرها، ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة حتمية لصناعة نضج اقتصادى حقيقى. ويتجلى ذلك بوضوح فى تناولها لملف الديون الخارجية، حيث لا تراه مجرد رقم يجب خفضه، بل نتيجة لمسار يجب إعادة توجيهه.
ترى أن الطريق يبدأ من الداخل.. من الإنتاج، الصناعة، من التصدير. وهذه ليست مجرد شعارات، بل ركائز أساسية لإعادة التوازن، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، ومن ثم تخفيف الضغط على العملة والديون معًا، غير أن تحقيق ذلك، من وجهة نظرها، يتطلب بيئة محفزة تُعيد صياغة قواعد اللعبة؛ حزمًا تحفيزية حقيقية، تسهيلات ملموسة، وإعفاءات ضريبية مدروسة، تفتح المجال أمام المستثمر لا ليبقى فقط، بل ليتوسع ويخاطر ويبتكر.
• ما تقييمك للمشهد فى ملف السياسة المالية؟
< على ملامحها ترتسم ابتسامة خفيفة، تحمل فى طياتها قدراً من الارتياح، لتقول إن «المنظومة الضريبية شهدت بالفعل درجة ملحوظة من المرونة، لكنها مرونة موجّهة بالأساس نحو تعظيم الحصيلة، عبر توسيع قاعدة الممولين، ومحاولة الوصول إلى شرائح جديدة لم تكن مندمجة سابقًا فى الإطار الرسمى».
تضيف أن «ما تحقق على مستوى الحصيلة لا يمكن إنكاره، لكنه فى الوقت ذاته لا يمثل الصورة الكاملة. فهذه المرونة، برغم أهميتها، لا تزال تميل إلى الجانب التحصيلى أكثر من كونها أداة حقيقية لتحفيز الإنتاج.. لتؤكد أن المرونة المنشودة لا يجب أن تُقاس فقط بما تحققه من إيرادات، بل بما تفتحه من آفاق للنمو. فحين تتحول السياسات الضريبية إلى محفز فعلى للإنتاج، عندها فقط تبدأ العجلة فى الدوران بكفاءة أعلى، ويتحول الاقتصاد من حالة السعى للتحصيل إلى حالة خلق القيمة».
تشير برؤية أكثر عمقًا إلى أن أحد المفاتيح الغائبة فى هذه المعادلة هو دمج الاقتصاد غير الرسمى داخل المنظومة الرسمية؛ ذلك الاقتصاد الذى يعمل فى الظل، ويحمل فى طياته طاقات هائلة غير مستغلة. فإدماجه لا يعنى فقط توسيع القاعدة الضريبية، بل إعادة توجيه هذه الطاقات نحو مسار منظم، يعزز من الاستقرار الاقتصادى، ويرفع من كفاءة السوق ككل.
القمة لا تُمنح.. بل تُنتزع، ومن هذا المنطلق، ترى أن معركة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، رغم احتدامها بين دول المنطقة، لا تزال مفتوحة على فرص واسعة للسوق المحلى. فبرغم شراسة المنافسة، يمتلك السوق المحلى من المقومات ما يؤهله لأن يكون وجهة مفضلة لتدفقات رؤوس الأموال، خاصة فى لحظة إقليمية مرتبكة، تدفع العديد من الشركات العالمية إلى إعادة تموضعها، والبحث عن بيئات أكثر استقرارًا.
وتشير إلى أن هذه التحولات لا يجب أن تُترك للصدفة، بل تحتاج إلى تحرك استثمارى نشط وذكى، قادر على اقتناص الفرص، واستقطاب تلك الكيانات التى تغادر أسواقا مجاورة مضطربة. فالمعادلة هنا لا تقوم فقط على توفر الفرصة، بل على سرعة الاستجابة، وجودة العرض، ووضوح الرؤية.
وفى موازاة ذلك، تؤكد أن الاهتمام بالمستثمر الأجنبى لا يجب أن يأتى على حساب نظيره المحلى، بل العكس هو الصحيح.. فالمستثمر المحلى هو حجر الأساس لأى اقتصاد متماسك. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حزمة حقيقية من المحفزات، فى مقدمتها الإعفاءات الضريبية، وتيسيرات داعمة، خاصة فى ظل التحولات التى شهدتها سياسات تسعير الطاقة، والتى رفعت من تكلفة التشغيل على هذا المستثمر، وأثقلت كاهله بأعباء إضافية.
خبرة طويلة، تراكمت عبر محطات متعددة ترى أن زيادة مساهمة القطاع الخاص، حتى مع تنامى حصصه فى بعض الشركات الحكومية، لا تكفى وحدها، ما لم تُصاحبها بيئة أكثر مرونة، وتكلفة أقل، وسياسات أكثر دعمًا لقدرته على التوسع والمنافسة. فالقصة فى جوهرها ليست فقط فى حجم المشاركة، بل فى جودة المناخ الذى يعمل داخله.. ذلك المناخ الذى إن صلح، أطلق طاقات كامنة قادرة على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادى بأكمله.
< ولكن هل الأفضل طرح الشركات الحكومية لمستثمر رئيسى أم للتداول فى البورصة؟
بثقة هادئة، تجيبنى قائلة إن «طرح حصص من الشركات الحكومية فى البورصة يمثل خطوة أكثر شمولًا واتساعًا، لأنه لا يقتصر على فئة واحدة من المستثمرين، بل يفتح الباب أمام شرائح جديدة من المتعاملين، ويُسهم فى توسيع قاعدة الملكية داخل السوق».
وتضيف أن هذا التوجه لا ينعكس فقط على تنشيط التداولات، بل يمتد أثره إلى ما هو أعمق.. إذ يعزز من زيادة رأس المال السوقى، ويمنح السوق قدرًا أكبر من العمق والسيولة، وهو ما ينعكس بدوره على رفع كفاءته وتقليل فرص التلاعب أو التأثيرات غير العادلة، عبر زيادة عدد المشاركين وتنوعهم.
بنفس الثبات، تنتقل من التحليل إلى التوقع، وكأنها ترسم ملامح المستقبل على شاشة الحاضر، لتشير إلى أن المؤشر الرئيسى للسوق قد يتحرك خلال الثلاثة أشهر الممتدة حتى يونيو 2026 نحو مستوى 55 ألف نقطة، فى حال استمرار هدوء الأوضاع السياسية واستقرار البيئة العامة.
فى ملامحها شىء من الإصرار الهادئ.. طراز مختلف، تواجه التعقيدات بثبات محسوب، وكأن الصعاب بالنسبة لها ليست عائقًا بل جزء من معادلة الإنجاز. تحرص على أن تنقل هذا الفكر حتى لأبنائها، داعية إلى الاستثمار فى الذات قبل أى شىء آخر.. لكن يبقى شغلها الشاغل الوصول بإدارة الاستثمار إلى القمة.. فهل تستطيع ذلك؟

















0 تعليق