خارج المقصورة
السبت 11/أبريل/2026 - 07:34 م 4/11/2026 7:34:39 PM
انشغل السواد الأعظم من مجتمع المال والأعمال، بل وحتى رجل الشارع، بموجة التعثرات الأخيرة التى أعادت إلى السطح أسئلة قديمة بثوب جديد.. ملف رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة مجموعة «إيڤرجرو» للأسمدة المتخصصة، بمديونيات تتجاوز 40 مليار جنيه لصالح نحو 36 بنكًا، لم يكن مجرد خبر عابر.. بل شرارة أعادت فتح دفاتر كانت مغلقة.
ثم جاء اسم عماد زيادة، رجل الأعمال والفنان، صاحب شركة «أويلكس» لزيوت الطعام، مع تعثر يُقدّر بنحو 11 مليار جنيه، ليضيف بُعدًا آخر للمشهد، ويُعمّق حالة القلق، خاصة مع صدور بيان البنك المركزى المصرى بشأن قواعد منح الائتمان وإدارة المخاطر داخل الجهاز المصرفى.
هذه التطورات لم تُقرأ بمعزل عن التاريخ.. بل أعادت الذاكرة مباشرة إلى تسعينيات القرن الماضى، حين تصدّر ملف رجال الأعمال المتعثرين المشهد، وأثار عاصفة من الجدل لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. وقتها، وخلال حكومتى كمال الجنزورى وعاطف عبيد، بلغ عدد كبار المتعثرين نحو 10 من أبرز الأسماء، بعضهم كان يقود شركات مدرجة فى البورصة، ويُنظر إليهم كأعمدة للاقتصاد.
مع تجدد المشهد، لم يكن غريبًا أن تتسارع دقات القلق داخل أوساط المستثمرين فى سوق المال.. الخوف هذه المرة لم يكن فقط من حجم المديونيات، بل من سيناريو أكثر خطورة: ماذا لو كان هؤلاء يمتلكون حصصًا فى شركات مقيدة؟ ماذا لو كانت القروض بضمانات أسهم؟ حينها، لن يكون الحديث عن تعثر فردى، بل عن انهيارات محتملة تُصيب السوق فى صميمه.
فى خضم هذه المخاوف، جاء التحرك السريع من البورصة المصرية كعامل طمأنة حاسم. فبعد عمليات فحص وتدقيق، تبين عدم امتلاك «الخشن» و«زيادة» لأى حصص فى شركات مقيدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.. وهى نقطة فاصلة، جنّبت السوق سيناريوهات كانت كفيلة بإشعال موجة خسائر عنيفة.
هذا التحرك الاستباقى يُحسب بوضوح للإدارة الحالية، بقيادة محمد صبرى، القائم بأعمال رئيس البورصة، والذى بدا وكأنه يقرأ دروس الماضى جيدًا.. دروس كُتبت بتكلفة باهظة.
من ينسى ما حدث مع عمرو النشرتى، رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية العقارية، وشقيقه هشام؟ سنوات طويلة من المعاناة عاشها المستثمرون، بسبب مديونيات ألقت بظلالها الثقيلة على الشركة، وحوّلت استثماراتهم إلى رهينة لأزمة لم يكونوا طرفًا فيها.
لم يكن هذا المثال الوحيد.. فهناك نموذج أكثر تعقيدًا وإثارة للجدل، تمثل فى رامى لكح، صاحب «لكح جروب»، الذى تحوّل ملفه إلى واحدة من أبرز قضايا التلاعب فى السوق. بداية من هروبه، مرورًا بسلسلة من الشائعات المنظمة، خاصة مع كل شهر ديسمبر، حول عودته لتسوية ديونه التى بلغت 1.7 مليار جنيه آنذاك.. وصولًا إلى موجات مضاربة دفعت بالسهم من 21 قرشًا إلى 3 جنيهات، فى قفزات صنعت ثروات للبعض منهم إعلامى وإعلامية مشهورين، ودمّرت مدخرات آخرين.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التلاعب، بل امتد إلى ابتكار آليات استثنائية، مثل سوق الأوامر خارج المقصورة، الذى جاء كحل اضطرارى لاستيعاب وضع شاذ، لكنه فى الوقت ذاته فتح الباب أمام فوضى أوسع، دفعت ثمنها شريحة كبيرة من صغار المستثمرين.. اليوم، يبدو أن المشهد مختلف.. ليس لأن الأزمات اختفت، بل لأن أدوات التعامل معها أصبحت أكثر وعيًا وحسمًا.
< يا سادة.. ما حدث هذه المرة يستحق التقدير. فالتحرك السريع من البورصة لم يكن مجرد إجراء روتينى، بل رسالة واضحة: أن السوق لن يُترك فريسة للأزمات الفردية، وأن حماية أموال المستثمرين لم تعد خيارًا.. بل أولوية لا تقبل التهاون.

















0 تعليق