لم يكن السكن يوماً مجرد جدران وأسمنت، بل هو في جوهره حق إنساني أصيل يكفله الدستور وتفرضه بديهيات الاستقرار الاجتماعي. إلا أن المشهد العقاري المصري منذ ثمانينيات القرن الماضي انحرف عن مساره الطبيعي، حيث تحول "التمليك" من خيار إلى "إجبار"، وخرج "الإيجار" من كونه القاعدة السائدة والمستقرة ليشغل مساحة الاستثناء القلق وغير المنضبط.
حق الانتفاع.. حجر الزاوية في خفض التكلفة
وكما ذكرتُ مراراً في مقالاتي السابقة بـ "بوابة الوفد"، فإن معضلة السكن تبدأ من “سعر الأرض”، لذا طالبتُ بأن يكون منح الأراضي لغرض السكن بنظام "حق الانتفاع" وليس البيع النهائي؛ وذلك بهدف نزع فتيل المضاربة وخفض التكلفة الإجمالية للعقار بشكل جذري.
وهنا تأتي سياسة "تعميم الإيجار" لتكمل هذه الرؤية، لتصبح هذه التوليفة (أرض بحق الانتفاع + وحدات للإيجار) بمثابة طوق الإنقاذ للمواطن من غول السكن الذي بات يلتهم الأخضر واليابس.
وفي هذا السياق، ينبغي الإشادة بالمبادرة الحكومية التي جاءت بناءً على توجيهات رئيس الجمهورية بشأن توفير مساكن إيجارية للمواطنين غير القادرين، وهو اتجاه محمود يضع الدولة على الطريق الصحيح.
ونحن إذ نثمن هذه الخطوة، نرى ضرورة البناء عليها لإعادة تنظيم السوق العقاري المصري وفق القواعد الآتية:
أولاً: الإيجار هو القاعدة
يجب أن يصبح الإيجار وحق الانتفاع (وليس التملك) هو الأساس والنمط الشائع في المجتمع على غرار الكثير من دول العالم، خاصة مع وصول أسعار الوحدات لمستويات مليونية خرافية لا تتناسب مع متوسطات دخل ومدخرات معظم الأسر المصرية.
ثانياً: تملك العقارات هو "الاستثناء":
يجب أن يظل سعي المواطن لامتلاك عقارات (سكنية، سياحية، أو خدمية) هو الاستثناء وليس القاعدة. إن الهوس بالتملك يرفع الطلب بشكل جنوني على الأراضي ومواد البناء، مما يقودنا اقتصادياً إلى "الركود التضخمي"، ويقودنا اجتماعياً إلى كوارث لا تُحمد عقباها، من زيادة معدلات العنوسة والعزوف عن الزواج، وهو خراب اجتماعي وأخلاقي وجيلي لا يمكن وصف تداعياته.
ثالثاً: الاستثمار العقاري عبر الصناديق (وليس التملك):
توجيه صغار المستثمرين في اتجاه مختلف يتناسب مع هذه الرؤية الجديدة؛ فبدلاً من الاستثمار في شراء الوحدات السكنية أو المصيفية التي تظل مغلقة لسنوات (أو لشهور الشتاء في حالة الشاليهات) وتتحول إلى كتل خرسانية غير منتجة ومعطلة تستنزف جزءاً من رؤوس أموال كان من الممكن أن توجه إلى الصناعة والزراعة وغيرها، فإن البديل الاستثماري الأمثل هو أن تكون القاعدة في استثمار المواطنين لمدخراتهم في القطاع العقاري من خلال شراء "وثائق في صناديق استثمار عقاري" تنشأ بمعرفة البنوك والمؤسسات المالية الكبرى وتطرحها للاكتتاب لصغار المدخرين والمستثمرين (بإدارة شركات مالية محترفة)؛ لتستوعب هذه الصناديق الراغبين في الاستثمار العقاري، فبدلاً من تملك عقار يمتلك المواطن وثائق في صناديق عقارية. ويعطي هذا النظام الفرصة لتوجيه رؤوس الأموال إلى أنشطة إنتاجية بدلاً من هذه الأصنام الخرسانية المغلقة المعطلة لفترات طويلة، وبالتالي ووفقاً للمنظومة الجديدة تكون تلك الثروة العقارية (سكنية وسياحية ومصيفية) تحت ولاية شركات متخصصة في إدارة وتشغيل وصيانة تلك الأصول العقارية بما يحفظها ويطيل من فترة خدمتها بدلاً من الإهمال الذي تعانيه الثروة العقارية بسبب عدم فاعلية ما يسمى نظام "اتحاد الشاغلين" بصورته الراهنة لعدم تفرغ وعدم احترافية السكان ملاك العقارات ومؤجريها.
رابعاً: الدعم الإسكاني
ولا تكتمل هذه الرؤية إلا إذا تم اعتماد ما يمكن تسميته "الدعم الإسكاني" الشائع في كثير من دول العالم النامية والمتقدمة على السواء، والذي يجسد الالتزام الدستوري الذي ينص على أن السكن حق من حقوق الإنسان. وينبغي أن يصاغ النظام الجديد بما يضمن خفض كلفة تأجير السكن لتصبح ما بين 10% إلى 15% من دخل المواطن بحد أقصى، وما يزيد على ذلك يغطيه الدعم الإسكاني المنشود، حيث يتم إنشاء منصة مركزية موحدة للإيجار تنظم الطلب، مع إعطاء الأولوية للمصريين قبل فتح المجال للأجانب الذين يمكن أن تُؤجر لهم الوحدات بالعملة الصعبة مع التفكير في حظر تملك الأجانب للعقارات. وعليه فإن الفئات الهشة مالياً ينبغي أن تحظى بهذا الدعم الذي يمثل الفارق بين قدراتها الشرائية وبين القيمة الإيجارية السوقية. وبهذا ينقسم موقف الشرائح الاجتماعية المختلفة من الدعم إلى فئات على النحو التالي:
1- المواطن معدوم الدخل: يستحق سكناً مجانياً (ولو بمساحات محدودة).
2- المواطن محدود الدخل: يحصل على سكن بإيجار مدعم تشرف عليه الدولة.
3- المواطن القادر: لا يحصل على دعم، ومعيار القدرة هنا هو تفاصيل الدخل الذي ينبغي أن يزيد عن حد معين (مرتبط بعدد أفراد الأسرة) حتى يخرج المواطن من مظلة الدعم الإسكاني (وليكن 35 ألف جنيه لأسرة من 4 أفراد بمعايير مستوى المعيشة الراهن).
خامساً: شركات إدارة الأصول العقارية
ولضمان استدامة هذه المنظومة وفاعليتها، يجب أن تؤول ملكية هذه الأصول إلى "شركات إدارة متخصصة أو صناديق استثمار عقاري" تضمن الصيانة والحقوق القانونية للطرفين.
إن تحرير الأموال من "محبس الخرسانة" سيوجه السيولة نحو الصناعة والزراعة، ويغلق الباب أمام غسيل الأموال والمضاربات في الأراضي والعقارات التي ترفع الأسعار بشكل خرافي وصل إلى معدلات مليونية غير منطقية.
ولا شك أن العودة إلى نظام الإيجار الشامل والمنظم هو ضرورة أمن قومي واجتماعي، إننا بحاجة إلى إرادة تشريعية تتبنى البناء على أراضٍ بحق الانتفاع ولغرض الإيجار وليس التمليك، لتتحول العقارات من "سلعة للمضاربة" إلى "خدمة للمواطنة"، ولنحمي الأجيال القادمة من ارتدادات أزمة سكنية قد تعصف باستقرار المجتمع وتماسكه.
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة

















0 تعليق