مصر ليست في أزمة عملة حالياً، ولكن إشارات التحذير أصبحت أصعب من أن يتم تجاهلها، ورغم أن البنك المركزي وصناع السياسات قد اتخذوا خطوات لتحقيق استقرار الأسواق، إلا أن نقاط الضعف الكامنة لا تزال قائمة، حيث إن ضغوط سعر الصرف الأخيرة، والتي تمثلت في انخفاض القيمة بنسبة 15% تقريباً منذ اندلاع الحرب من حوالي 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي، تؤكد على الحاجة الملحة لبناء "مناعة اقتصادية" من خلال إصلاحات هيكلية وسياسات اقتصادية كلية حصيفة ومستدامة تعمل على تعزيز الادخار المحلي والإنتاجية والمرونة في مواجهة الصدمات العالمية.
وكأن التاريخ، على حد تعبير كارل ماركس، يأبى إلا أن يعيد نفسه؛ ورغم أن ماركس كان يحلل لحظة سياسية محددة في القرن التاسع عشر في كتابه "الثامن عشر من بروميير لويس بونابرت" حين قال "التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمهزلة"، إلا أن ملاحظته هذه تحمل صلة وثيقة ومذهلة بصنع السياسات الاقتصادية الحديثة اليوم. فعندما تُترك نقاط الضعف الهيكلية العميقة في الاقتصاد لتتفاعل دون حل، فإن الضغوط المالية تجد طريقاً للعودة، وغالباً ما ترتدي قناعاً جديداً لكنها تتبع نمطاً مألوفاً ومؤلماً .فإذا كانت الأزمات السابقة قد مرت كمآسٍ اقتصادية، فإن تكرار نفس الأنماط دون إصلاح هيكلي قد يحول الأمر إلى ملهاة مضحكة ومؤلمة في آن واحد. وما تصاعد التوترات الجيوسياسية في الخليج وما يتبعها من آثار على الطاقة والتحويلات إلا صدمة تفرض علينا مواجهة السؤال عما إذا كان تحرك الجنيه الأخير هو أول قطع الدومينو التي تسقط في أزمة جديدة. فالنقطة الجوهرية ليست ما إذا كانت مصر تواجه أزمة وشيكة، بل ما إذا كانت تخاطر بالدخول مجدداً في حلقة مفرغة مألوفة إذا لم يتم تعميق زخم الإصلاح واستكمال الإصلاح الهيكلي لتجنب مأساة تكرار التاريخ لنفسه مرة أخرى


















0 تعليق