يواجه قطاع الصادرات المصرية ضغوطاً متزايدة لعدة عوامل، خاصة مع استمرار الحرب الإيرانية الأمريكية، ودخول الصراع المسلح للشهر الثانى، مما تسبب فى ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام وأسعار النفط والوقود عالمياً، وفى الوقت نفسه فان عدم وضوح مدة استمرار الأزمة، يزيد من حالة عدم اليقين داخل القطاع.
وأظهرت بيانات المصدرون، أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ضد طهران، نتج عنها تعطل جزء من الإمدادات فى منطقة الخليج العربى، فى الوقت نفسه أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعذر تدفق النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية فى العالم.
ومقابل ذلك، اتخذت الحكومة المصرية عدة خطوات لمحاولة الحد من انخفاض معدل الصادرات إلى الأسواق العربية القاطنة بدائرة الصراع، كما تعهدت الدولة بتذليل العقبات أمام قطاع الصادرات، فى خطوة أثارت طمأنة نسبية للمصدرين المصريين، إذ يعتمد الأخير بدرجة كبيرة على أسواق دول الإمارات وقطر والسعودية والكويت.
وبالفعل تأثرت الصادرات بهذه الاضطرابات السياسية والعسكرية، بما فى ذلك ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ومن ثم بدأت تعيق صادرات مصر منذ اندلاع الصراع، حيث أظهرت أن أذون التصدير انخفضت 77 بالمئة فى الأيام الثلاثة الأولى من الحرب مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى.
ومن المعروف أن أذون التصدير إلى المملكة السعودية ودولة الإمارات، اللتين تمثلان معاً أكثر من ثلث صادرات القاهرة، انخفضت 83٪ و90٪ على الترتيب.
ويعد قطاع الصادرات أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة للخزانة المصرية، وقد تضررت من استمرار الحرب لمدة تزيد عن الشهر، وتحديداً منذ 28 فبراير 2026، بما فى ذلك السياحة ورسوم عبور قناة السويس والتحويلات المالية، لا سيما من العاملين فى دول الخليج، رغم عدم اتضاح مدى التأثير بعد.
وعادة ما تكون دول الخليج هى الداعم الرئيسى، وبالتالى كلما طال أمد الحرب الإيرانية، زاد خطر دخول السوق المصرية فى دوامة من نزوح رأس المال إلى الخارج وحذر المستثمرين وانخفاض معدلات التصدير.
وألقت التوترات الجيوسياسية الأخيرة وما تبعها من قصف لدول الخليج، ثم إغلاق مضيق هرمز، بظلالها على حركة الصادرات المصرية، خاصة إلى أسواق الخليج، مع ارتفاع ملحوظ فى تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، إذ تأثر الطلب على السلع المصرية فى بعض القطاعات، مثل الحاصلات الزراعية والصناعات الغذائية، فيما لا تزال قطاعات أخرى تحافظ على استقرار نسبى مدعومة بتعاقدات مسبقة.
وأحدثت الحرب توترات كبيرة فى حركة الشحن عبر البحر الأحمر، ما أدى إلى رفع تكاليف التأمين والنقل بين 3 و4 آلاف دولار لكل حاوية، مع إعلان أكبر الخطوط الملاحية فى العالم وقف رحلاتها من وإلى عدة دول فى الشرق الأوسط، فى الوقت ذاته الذى تضاعفت فيه أسعار النولون البرى، الأمر الذى أضاف المزيد من الضغوطات على الشركات المصرية، فى حركة التجارة مع دول الجوار، ما انعكس بشكل مباشر على التكلفة النهائية للسلع فى الدول المستقبلة للصادرات.
وتراجع الطلب على الحاصلات الزراعية المصرية بنحو 20%، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المنتجات المحلية بنحو 30% إلى 40% تقريباً، مدفوعاً بزيادة كبيرة فى تكاليف الشحن، سواء البحرى أو البرى، حيث ارتفعت تكلفة التأمين على الشحنات بنحو 4000 دولار للحاوية، كما ارتفعت تكلفة الشحن باستخدام العبارات بين سفاجا وطما من 600 دولار إلى 900 دولار، فيما زادت تكلفة النقل إلى دول الخليج بين 25000 إلى 4000 دولار لكل حاوية.
ولا تزال الشركات المصدرة تعمل ولكن بوتيرة أبطأ، فى ظل تراجع عدد الخطوط الملاحية وزيادة فترات الانتظار، وهو ما دفع أغلب المصدرين للاعتماد بشكل أكبر على الشحن البرى كبديل، كما أن التأثير لم يقتصر على دول الخليج فقط، بل امتد بشكل محدود إلى صادرات مصر لأسواق آسيا، كما إن الطلب على الصادرات المصرية – بشكل عام، تأثر خلال شهر مارس الجارى على خلفية الأزمة فضلاً عن التأثيرات غير المباشرة للحرب متمثلة فى كذلك فى زيادة زمن وتكلفة الشحن.
مطالبات بدعم السياسات الصناعية لتعظيم فرص التصدير المصري
وفى ضوء التقارير الدولية الأخيرة بشأن التطورات الإقليمية والمرحلة الراهنة الحرجة، طالب اتحاد الحديد والصلب، بتوفير بيئة تشغيل مستقرة ومحفزة للقطاع، تشمل ضمان توافر مدخلات الإنتاج، وتعزيز الكفاءة التشغيلية للمصانع، ووضع سياسات مرنة للتصدير، إلى جانب دعم لوجستى وتمويلى فعال، بما يضمن قدرة المصانع على التكيف بسرعة مع التغيرات فى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد أن أى تغييرات فى الإنتاج بالدول المنتجة للصلب، وخاصة فى إيران والمناطق المجاورة، تتيح للمنتج المصرى فرصة لتعزيز حضوره فى الأسواق الإقليمية، من خلال موازنة العرض والطلب ودعم زيادة الصادرات بشكل مستدام، مشدداً على ضرورة التخطيط الاستراتيجى لخريطة التصدير المصرية بما يعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطنى ويضمن استدامة تواجده فى الأسواق الإقليمية والدولية.
الصادرات المصرية «نقطة مضيئة»
وعقد مصدرو الأثاث والطباعة والمنسوجات، اجتماعات هامة لمناقشة كيفية امتصاص لتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وما تفرضه من متغيرات متسارعة على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد ومعدل الصادرات.
وكانت أبرز المناقشات: «آليات دعم التصدير وتعظيم الاستفادة من الفرص الناشئة عن التحولات فى سلاسل الإمداد، إلى جانب استعراض فرص جذب الاستثمارات الأجنبية والعربية إلى مصر وتعزيز موقعها كمركز صناعى ولوجستى جاذب للاستثمارات، وكذلك تنويع الأسواق التصديرية، وزيادة الاعتماد على البعثات التجارية كأحد الأدوات الفاعلة لتعزيز التواجد الخارجى وخفض تكاليف الوصول إلى العملاء، بما يدعم خطط زيادة الصادرات خلال المرحلة المقبلة، خاصة فى ظل تأجيل عدد من المعارض الهامة فى بعض الأسواق المستهدفة، خاصة دول الخليج.
ويبدو أن الحرب لها نقطة إيجابية للقاهرة، حيث فتحت التطورات الجيوسياسية الراهنة، فرصاً واعدة أمام مصر لتعزيز موقعها كمركز صناعى ولوجستى جاذب للاستثمارات، وهو ما أكده المصدرين، معتبرين أن السوق المحلية أصبحت فى وضع تنافسى متميز فى ظل حالة عدم اليقين التى تشهدها بعض أسواق المنطقة العربية الآسيوية، كون مصر تُعد من الدول القليلة التى تتمتع بقدر من الاستقرار، وهو ما يتيح لنا فرصة حقيقية لاستقطاب استثمارات صناعية جديدة، خاصة من أوروبا، التى كانت تعتمد بشكل كبير على بلدان الخليج العربى، وهو ما يدفع أسواق القارة البيضاء العجوز للبحث عن بدائل إنتاجية، ومصر مرشحة بقوة لتكون أحد هذه البدائل، فى ظل ما تمتلكه من بنية صناعية وموقع جغرافى متميز.
وفيما يتعلق بالأسواق التصديرية، أوضح المصدرون أن هناك حالة من الترقب بشأن أداء بعض الأسواق الرئيسية، واصفين الوضع الحالى بأنه أشبه بـ«مرحلة شد حبل»، مؤكدين صعوبة التنبؤ بمستقبل الصادرات المصرية لحين اتضاح الرؤية أو استقرار الأوضاع العالمية.
وعلى صعيد آليات دعم التصدير، شدد المصدرون على ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، خاصة فى ظل تأجيل عدد من المعارض الدولية، وبالتالى أصبح من الضرورى التحول إلى البعثات التجارية كبديل أكثر كفاءة وأقل تكلفة من المعارض، حيث تتيح للمشترى زيارة المصانع مباشرة واتخاذ قرارات التعاقد بشكل أسرع.
ويشهد السوق المحلى حالياً إقبالاً ملحوظاً من الوافدين العرب، خاصة من دول الخليج، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على زيادة الطلب على المنتجات المصرية، بما يمثل فرصة كبيرة أمام المصدرين والمصنعين المحليين، خاصة أن مصر باتت وجهة جاذبة للاستثمار الصناعى، فى ظل ما تتمتع به من مزايا تنافسية، تشمل انخفاض تكلفة الإنتاج، والحوافز الضريبية، فضلاً عن تطورها كمركز لوجستى إقليمى، بفضل مشروعات البنية التحتية، خاصة الربط السككى للقطار الكهربائى لنقل البضائع، إلى جانب نشاط الموانئ، وهو ما عزز من مكانة مصر كمحور لوجستى يخدم الأسواق الإقليمية والعالمية.
كما أن الأزمة الراهنة، رغم تحدياتها، قد تحمل بُعداً إيجابياً على المدى البعيد، خاصة فيما يتعلق بجذب الاستثمارات إلى القطاع، موضحاً أن التغيرات فى سلاسل الإمداد العالمية تدفع العديد من الشركات للبحث عن أسواق بديلة ومواقع إنتاج أكثر استقراراً وتنافسية، وهو ما يمثل فرصة حقيقية لمصر لتعزيز مكانتها كمركز صناعى وتصديرى للعديد من المنتجات فى الشرق الأوسط.
لذا أوصى المصدرون بضرورة استغلال هذه الفرصة، التى تتطلب الاستمرار فى تحسين بيئة الأعمال، وتقديم حوافز جاذبة للمستثمرين، إلى جانب دعم المصانع المحلية لرفع كفاءتها الإنتاجية والتكنولوجية، بما يسهم فى زيادة القدرة على تلبية الطلب الخارجى وتحقيق نمو مستدام للصادرات.
هذا بالإضافة إلى أهمية التحرك السريع نحو تنويع الأسواق التصديرية، مع التركيز على الدول التى تتمتع بدرجة من الاستقرار النسبى خلال الفترة الحالية، لانها ستمثل بدائل مؤقتة لبعض الأسواق التى تشهد بعض الاضطرابات، خاصة فى الخليج العربى.
وتُربك خطط التوسع للمجتمع التصديرى
وعلى جانب آخر أربكت الحرب، حسابات الشركات المصرية بشأن مستهدفات التصدير خلال 2026، وسط مخاوف من تداعيات مباشرة على حركة الصادرات، فى ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية، وما يتبعها من ارتفاعات لتكاليف الشحن والتأمين وكذا فى حال امتد أجل الحرب لفترة طويلة.
ويترقب المجتمع التصديرى فى مصر، إنهاء الحرب، واستقرار نطاقها وتداعياتها، خاصة أن الأسواق المجاورة لمصر تصنّف كوجهات رئيسية للصادرات المصرية، ولكن الحرب الحالية ستنعكس بشكل سلبى على الصادرات المصرية، خاصة الحاصلات الزراعية سريعة التلف، والتى لا تحتمل تعطل الشحن.
واعتبر المصدرون أن استمرار التصعيد لمدة طويلة قد يحد من قدرة الشركات المصرية على الوفاء بتعاقداتها فى توقيتاتها المحددة، خاصة فى قطاعات تعتمد على الشحن البحرى كثيف السعة مثل الصناعات الغذائية، والصناعات الهندسية والكيماوية ومواد البناء، والحاصلات الزراعية.
ودعا المجتمع التصديرى، الحكومة المصرية بتقديم مساندة استثنائية مؤقتة للشركات المصدرة لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الشحن مع تصاعد حدة التوترات، خاصة أن الخليج أهم سوق للصادرات المصرية، وأبرزهم أسواق السعودية والإمارات، كما نشير إلى أن دول الخليج تعد أكبر مستقبل لصادرات الأدوية المصرية، وتسيطر على نحو نصف صادرات القطاع.
186 مليار دولار خسائر «الشرق الأوسط» فى شهر واحد
وخسر اقتصاد دول منطقة الشرق الأوسط نحو 190 مليار دولار نتيجة شهر واحد من الحرب، فيما قدرت الخسارة فى الناتج المحلى الإجمالى لدول المنطقة بنحو 6%، وفقاً لبيان الأمم المتحدة، الذى توقع أن تكون هناك آثار أعمق وأطول وأصعب خلال الفترات القادمة.
وكشف البيان الأممى، أن الأثر على الناتج المحلى الإجمالى فى منطقة الخليج قد يصل إلى 168 مليار دولار، وفى منطقة الشام إلى نحو 30 مليار دولار، وذلك نتيجة قصف إيران لدول الخليج العربى، وأغلق عمليا مضيق هرمز الذى يمر فيه خُمس إنتاج النفط والغاز المُسال فى العالم، بسبب هجمات وتهديدات طهران على السفن.
وانحسرت حركة الملاحة فى مضيق هرمز بنسبة 95% منذ بدء الحرب، وهناك توقعات أن يسفر النزاع الدائر الآن، عن خسارة ثلاثة ملايين و700 ألف فرصة عمل، وأن يدفع أربعة ملايين شخص إضافى إلى ما دون خط الفقر.

















0 تعليق