من المقرر شرعًا أن استخدام تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي في تصميم صورٍ أو توليد نماذج وتقنيات تُجسِّدُ الذاتَ الإلهيَّةَ يُعدُّ تشبيهًا وتمثيلًا محرَّمًا شرعًا، يحرم الإقدام عليه بأي حال من الأحوال؛ لأن الأصل الثابت المقرَّر في عقيدة المسلمين أنَّ الذاتَ الإلهيةَ مقدسةٌ مُنزَّهةٌ عن التمثيل والتصوير والتجسيد؛ لأنَّه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]؛ ولأن القاعدة الشرعية تقول: "ما أدى إلى الحرام فهو حرام".
ما حكم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد وتصميم صور مجسِّدة للذات الإلهية؟
والواجب على المسلم أن ينزِّه فكره عن التوهم والتفكر في ذات الله تعالى حتى لا يقع في التشبيه والتجسيم بالذات العليَّة، والأحرى به أن يتفكر في آيات الله تعالى الكونية وأفعاله الباهرة، ليزداد بذلك إيمانًا وخشوعًا.
حكم تصوير يوم القيامة بالذكاء الاصطناعي
يعد تصوير أحداث يوم القيامة كمشاهد مرئية عن طريق تقنيات الذكاء الاصطناعي أمر محرمٌ شرعًا، وذلك لاشتماله على جملة من المحاذير والمفاسد، كتشويه الحقائق الدينية، والتحريف والتضليل الذي ينتشر على نطاق واسع، وجعل أوصاف يوم القيامة وأحداثها التي هي غيب أسيرةً لرؤيةٍ يفرضها الذكاء الاصطناعي فرضًا على المتلقي لها بحسب المعلومات المغذية له وما قد يصل إليه الخيال الافتراضي، بما يغير حتمًا من تخيل المتلقي لهذه الأحداث والصورة الذهنية القائمة عنده حولها، ويستبدل بها الصورةَ التي حصلت بها المحاكة الافتراضية، وهو أمرٌ عظيم الخطر وفاسد الأثر.
حكم تصوير يوم القيامة بالذكاء الاصطناعي
ويشهد الذكاء الاصطناعي تطور تطورًا كبيرًا، حتى لا يكاد أن يوجد مجال من المجالات إلَّا وقد تأثر بهذا التطور التكنولوجي، حتى وصل ذلك إلى التطور الراهن باستخدام التقنيات البصرية التي تُوَلِّدها خوارزميات الذكاء الاصطناعي (AI) لعمل مشاهد مرئية لأحداث يوم القيامة كتجسيد للأوصاف الواردة في الكتاب والسُّنَّة النبوية لأحداث القيامة، مستندًا في ذلك إلى عدد من النصوص الشرعية التي ذكرت أحداث هذا اليوم وما فيه من مشاهد، في محاولة لتقديم تمثيل تقريبي، ورغم ذلك كله، -كأي نتاج بشري- تظل قاصرة عن إدراك حقيقة الغيب؛ بل غاية عملها أنها تصورٌ قائم على الظن والقول بغير علم في شأنٍ لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول، وذلك لعدة أمور:
أولًا: أن أحداث القيامة وأوصافها الواردة في الكتاب والسُّنَّة مندرجة تحت قسم السمعيات في علم التوحيد، وينحصر طريق معرفتها في الخبر الصادق دون توقف على إدراك العقل أو استشهاد بالحس، وهي -أي السمعيات كالحشْر، والنشْر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، ونعيم القبر وعذابه، وسؤال منكر ونكير.. ونحو ذلك- من العقائد الواجب الإيمان بها، فإن عَقِلْنا شيئًا منها فمن توفيق الله تعالى، وإلا اكتفينا باعتقاد حقِّيَّته على وفق مراد الله عزَّ وجلَّ.
قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في "المنخول" (ص: 51، ط. دار الفكر): [أما السمعيات فإنها معلوماتٌ، ولكنها لا تظهر في العقل ظهورَ العقليات. ومستنده: قولُ حقٍّ وخبرُ صدقٍ، وقول النبي عليه السلام صدقٌ وكلامُ الله سبحانه كذلك، وقول أهل الإجماع بتصديق الرسول إياهم] اهـ.
ثانيًا: حقائق الغيب -وخاصة المتعلقة بأمور الآخرة- لا يجوز القياس فيها بناء على ما تجلَّى من مظاهر في الدنيا من جهة الأوصاف والحقائق، لما تَقَرر أن أمور الآخرة لا تشبه أمور الدنيا من جميع الوجوه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾» أخرجه الشيخان.
وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري.
وهو أمرٌ قد قرره المحققون عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية [البقرة: 25]؛ فجاء عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ» أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، والسَّمَرْقَنْدِي في "بحر العلوم".
ثالثًا: أن ما ساقه القرآن الكريم والسنة المطهرة من أوصاف ما سيكون في يوم القيامة إنما هو مساعدة للإنسان على الإيمان مع الاحتفاظ بأن ما سيجري لا يتوصل له التخيل البشري الذي يقع أسير عالم الحس، والشرع وإن استخدم ألفاظًا وصورًا محسوسة فغايته ترك مساحة واسعة للخيال البشري، فهو فتح باب التخيل ليتخيل العبد عظمة المشهد، أما الصورة المرئية المُصَنَّعة فتلغي هذه المساحة وتفرض تخيلًا واحدًا، وكيفية واحدة حددها المصمم، وهذا هو جوهر الانحراف.


















0 تعليق