ﺣﻈﺮ اﻟﻤﻘﺮرات ﻳﺮﺑﻚ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﺮﻗﻤﻰ

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بعد منع المجلس الأعلى للجامعات نشرها على السوشيال ميديا:

جامعيون: الشرح على السوشيال كان طوق نجاة.. ومنعه عقاب للفقراء 

إغلاق المنصات يعنى زيادة الدروس الخصوصية داخل الجامعة

أساتذة: القرار يمس جوهر الحرية الأكاديمية ويقيد دور الأستاذ المجتمعى

حظر الشرح الرقمى تراجع خطير عن مفهوم الجامعة الحديثة

 

قرار المجلس الأعلى للجامعات بشأن وضع ضوابط وأخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعى لأعضاء هيئة التدريس، أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية، بعدما تضمَّن حظر إنشاء حسابات أو نشر محتوى مرئى أو مسموع أو مكتوب يتعلق بالمقررات الدراسية دون الحصول على موافقة رسمية من الجامعة، حتى إن كان هذا المحتوى مقدماً بالمجان، القرار الذى جاء ضمن «دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمى»، قُدِّم بوصفه إطاراً وطنياً موحداً لحوكمة العمل التعليمى وحماية الملكية الفكرية وضمان جودة التعليم، لكنه فى المقابل أثار مخاوف حقيقية لدى أساتذة وطلاب من انعكاساته على حرية تداول المعرفة وسير العملية التعليمية.

وفقاً لنص الدليل «يُحظر نشر أى محتوى يتعارض مع سياسات الجامعات أو قواعدها أو آدابها، بما يضمن الحفاظ على القيم الأكاديمية والانضباط المؤسسي». ويرى مؤيدو القرار أن الهدف الأساسى هو ضبط الفوضى التى شهدتها المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت بعض الصفحات إلى بدائل غير رسمية للمحاضرات، تُقدَّم أحياناً بمحتوى منقوص أو غير دقيق، ما قد يضر بمستوى الطلاب ويشوّه صورة المؤسسة التعليمية، فضلاً عن حماية حقوق الملكية الفكرية للمقررات وأعضاء هيئة التدريس.

وعلى الجانب الآخر، حذّر عدد من الأساتذة من أن القرار يتجاوز حدود التنظيم الإدارى إلى تقييد غير مسبوق للحرية الأكاديمية، ويحد من دور الأستاذ الجامعى كمثقف وفاعل مجتمعى قادر على تبسيط المعرفة ونقلها خارج أسوار الجامعة. ويشير هؤلاء إلى أن المنصات الرقمية أصبحت أداة تعليمية مساعدة لا غنى عنها، خاصة للطلاب غير القادرين على الانتظام الكامل فى الحضور، أو الباحثين عن شروح إضافية بلغات وأساليب مختلفة.

الطلاب بدورهم يخشون أن يؤدى تضييق نشر المحتوى التعليمى إلى تقليص مصادر التعلم المفتوحة، ورفع كلفة الحصول على الشرح والدعم الأكاديمى، فى وقت أصبحت فيه الوسائط الرقمية جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية الحديثة. 

وبينما يؤكد المجلس الأعلى للجامعات أن الدليل يهدف إلى تعزيز الثقة فى منظومة التعليم العالى وضمان جودتها، يبقى السؤال مطروحاً: هل ينجح القرار فى تحقيق التوازن بين حماية النزاهة الأكاديمية وفتح آفاق المعرفة، أم يتحول إلى قيد جديد على التعليم فى عصر يفترض أنه عصر الانفتاح الرقمى؟

طلاب: السوشيال ميديا طوق نجاة

يقول أحمد طالب بكلية التجارة، إن مقاطع الشرح على «يوتيوب» و«فيسبوك» كانت تمثل له حلاً أساسياً لفهم مواد معقدة مثل المحاسبة والتكاليف، خاصة مع ازدحام المدرجات وصعوبة التواصل المباشر مع بعض الأساتذة. ويضيف: «مش كل الطلبة تقدر تاخد محاضرات خصوصية، والفيديوهات كانت بتسد فجوة كبيرة… لو اتمنعت، يبقى الطالب الغلبان هو اللى هيدفع التمن».

أما سارة، طالبة بكلية الهندسة، فتؤكد أن كثيراً من الشروحات غير الرسمية كانت تساعدها على المراجعة قبل الامتحانات بأسلوب مبسّط يختلف عن أسلوب المحاضرات التقليدية. وتقول: «فى مواد كاملة كنت بفهمها من فيديوهات على الإنترنت أكتر من الكلية نفسها… القرار ده هيخلينا نعتمد على مصدر واحد بس، وده خطر على أى عملية تعليمية».

ويرى محمود، طالب بكلية الآداب، أن القرار يتجاهل واقع التحول الرقمى فى التعليم، مشيراً إلى أن الجامعات نفسها شجّعت فى فترات سابقة على التعليم عن بُعد والمنصات الإلكترونية. ويتساءل: «إزاى نطالب برقمنة التعليم، وبعدين نمنع أهم أدواته؟».

أساتذة: القرار يمس جوهر الحرية الأكاديمية

على صعيد آخر، أكد أساتذة الجامعات أن هذا القرار يمس جوهر العملية التعليمية وهو ما أكده الدكتور صلاح نور الدين، أستاذ هندسة الطرق بجامعة القاهرة، موضحاً أن تقديم المحتوى العلمى عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعى بات جزءاً أصيلاً من الدور المجتمعى للأستاذ الجامعى، وليس نشاطاً تجارياً أو خروجاً عن الإطار الأكاديمى كما يعتقد البعض، مشدداً على أن الجامعة لم تعد تقتصر على القاعات والمدرجات فقط، بل أصبحت المعرفة اليوم مطالبة بالوصول إلى أوسع نطاق ممكن من الطلاب والمجتمع.

الدكتور صلاح نور الدين
الدكتور صلاح نور الدين

وقال نور الدين فى حديثه لـ«الوفد»، إن نشر المادة العلمية على المنصات الرقمية يساهم فى تقليل أعذار الطلاب المتعلقة بعدم القدرة على متابعة المحاضرات أو فهم محتوى المقررات، موضحاً أن إتاحة الشرح بشكل مبسّط ومتاح للجميع يساعد على سد الفجوات التعليمية، خاصة لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات فى الاستيعاب داخل القاعات المزدحمة أو فى متابعة الشرح التقليدى.

وأضاف أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى فى العملية التعليمية لا يجب أن يُفهم على أنه بديل كامل للحضور الجامعى، بل هو أداة مساندة ومكملة، مشيراً إلى أنه يشجع هذا التوجه طالما لا يؤثر سلباً على انتظام الطلاب فى حضور المحاضرات والتفاعل المباشر داخل المدرجات، وأكد أن التفاعل والمشاركة بين الأستاذ والطلاب يظلان عنصرين أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهما فى أى منظومة تعليمية ناجحة.

وأوضح أستاذ هندسة الطرق أن المنصات الرقمية يمكن أن تقوم بدور يشبه «المذكرات» أو المراجع المساعدة، دون أن تلغى أهمية اللقاء المباشر داخل الجامعة، لافتاً إلى أن العديد من الجامعات العالمية الكبرى، مثل جامعة هارفارد، تقوم بنشر جزء كبير من محتواها التعليمى عبر الإنترنت، فى إطار توجه عالمى يهدف إلى تعميم المعرفة وإتاحتها للطلاب والباحثين فى مختلف أنحاء العالم.

وفى سياق متصل، انتقد نور الدين بعض الممارسات الموجودة فى عدد من الكليات النظرية، والتى تُجبر الطلاب على شراء كتب أو مذكرات بعينها، معتبراً أن هذا النهج لا يخدم العملية التعليمية بالشكل الأمثل، بل يضيف أعباء مالية إضافية على الطلاب وأسرهم. وأشار إلى أن كليات الهندسة، على سبيل المثال، لا تعمل بهذا المبدأ، وتعتمد بدرجة أكبر على تنوع المراجع وإتاحة المادة العلمية بطرق مختلفة.

وشدد على أن إتاحة المحتوى العلمى للطلاب عبر المنصات الرقمية تسهم فى تخفيف الأعباء المادية عنهم، وتوفر لهم مصادر متعددة للفهم والمراجعة، بما ينعكس إيجاباً على مستوى التحصيل العلمى وجودة العملية التعليمية بشكل عام. وختم حديثه بالتأكيد على أن تطوير التعليم لا يمكن أن ينفصل عن أدوات العصر، وأن الرقمنة لم تعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتغير أنماط التعلم لدى الأجيال الجديدة.

الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها
الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها

حقوق الملكية الفكرية

كما انتقدت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، قرار المجلس الأعلى للجامعات الخاص بحظر نشر المادة العلمية على مواقع التواصل الاجتماعى، معتبرة أنه يمثل تقييداً مباشراً للحركة الأكاديمية ويمس حقوق الملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس.

وقالت منصور لـ«الوفد» إن الجامعة لا تشترى حق التأليف من الأستاذ الجامعى، وبالتالى فإن تقييد تصرفه فى نتاجه العلمى والفكرى يُعد مساساً صريحاً بحقوقه الأصيلة، مؤكدة أن هذا النوع من القرارات يضع قيوداً غير مبررة على حرية الأستاذ فى نشر علمه ومشاركته مع الطلاب والمجتمع.

وأضافت أن القرار لا يقتصر تأثيره على الجانب الأكاديمى فقط، بل يمتد إلى الجانب المادى أيضاً، موضحة أن كثيراً من الأساتذة يعتمدون على مؤلفاتهم ومقرراتهم كمصدر دخل مشروع، فى ظل عدم قيام الجامعات بشراء حقوق هذه المؤلفات أو تعويضهم عنها بالشكل الكافى، وهو ما يجعل الأستاذ، وفق تعبيرها، "محاصراً" بين قيود النشر وضعف العائد المادى.

وأشارت منصور إلى أن نشر المادة العلمية عبر المنصات الرقمية يمكن تنظيمه بوسائل تقنية بسيطة، مثل ربط المحتوى بكلمات مرور أو قصر إتاحته على الطلاب المسجلين بالمقرر، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وتنظيم العملية التعليمية، دون اللجوء إلى المنع الكامل الذى يضر بالأستاذ والطالب على حد سواء.

وأكدت أن القرار، بصيغته الحالية، لا يؤثر فقط على حقوق أعضاء هيئة التدريس، بل ينعكس أيضاً على حق الطالب فى الوصول إلى المعلومة، مشددة على أن تقييد تداول المعرفة يضعف من ديناميكية العملية التعليمية ويحد من فرص المراجعة والاستذكار بوسائل متعددة تتناسب مع طبيعة العصر الرقمى.

وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول عدم نشر المقررات وتكلفة الكتب الجامعية، شددت أستاذ علم الاجتماع على أن الكتب الجامعية ليست رفاهية، بل تمثل عنصراً أساسياً فى العملية التعليمية. وأوضحت أن الطلاب غير القادرين على شراء الكتب يتم دعمهم من خلال البحوث الاجتماعية داخل كل جامعة، حيث تُوفر لهم هذه الكتب فى صورة مساعدات أو هدايا وفقاً لحالتهم الاجتماعية.

غير أنها لفتت إلى ضرورة التعامل بحذر فى هذا الملف، مشيرة إلى أن بعض الطلاب قد يتحججون بعدم القدرة المالية رغم توجيه إنفاقهم إلى بنود غير أساسية، مؤكدة أن العدالة فى الدعم تقتضى توجيهه لمستحقيه الحقيقيين. وختمت حديثها بالتأكيد على أن الحل لا يكمن فى المنع، بل فى وضع أطر تنظيمية عادلة تحفظ حقوق الأستاذ وتضمن فى الوقت نفسه حق الطالب فى المعرفة.

الدكتور مجدى حمزة، المحاضر التربوى بجامعة السويس
الدكتور مجدى حمزة، المحاضر التربوى بجامعة السويس

مكانة العملية التعليمية

ويرى الدكتور مجدى حمزة، المحاضر التربوى بجامعة السويس، أن الجدل المثار حول نشر المناهج والمحتوى التعليمى على مواقع التواصل الاجتماعى يتجاوز كونه مسألة تقنية أو تنظيمية، ويمس فى جوهره مكانة العملية التعليمية وحقوق الملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس. ويوضح أن القضية لا تتعلق بالمنع بقدر ما ترتبط بالحفاظ على هيبة التعليم الجامعى وقيمته التربوية والعلمية.

ويؤكد حمزة فى حديثه لـ«الوفد» أن نشر المحتوى التعليمى بشكل مفتوح قد يدفع بعض الطلاب إلى العزوف عن حضور المحاضرات، وهو ما يضعف التواصل المباشر بين الأستاذ والطالب، هذا التواصل الذى يعتبر حجر الزاوية فى بناء شخصية الطالب علمياً وتربوياً وأخلاقياً. فالتعليم، بحسب وصفه، ليس مجرد تلقّى معلومات أو حفظ مناهج، بل عملية متكاملة تقوم على الحوار والتفاعل والاحتكاك وتبادل الخبرات داخل قاعات الدرس، وهو ما لا يمكن تعويضه بالكامل عبر الشاشات والمنصات الرقمية.

ويشير إلى أن التجربة السابقة قبل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى كانت تقوم على البحث فى المكتبات والاعتماد على المصادر الورقية، وهو ما كان يمنح العملية التعليمية عمقاً أكبر، ويعزز من جدية الطالب والتزامه. ويرى أن سهولة الوصول إلى المحتوى الجاهز اليوم قد أضعفت هذا البعد، وخلقت نوعاً من الاستسهال فى التعامل مع المعرفة.

وعلى جانب آخر، يلفت حمزة إلى مشكلة أكثر خطورة تتمثل فى استغلال بعض الطلاب لمحتوى الأساتذة، عبر إعادة نشره أو تحويله إلى «مذكرات» و«ملازم» تُباع فى محيط الجامعات، ما يمثل اعتداءً صريحاً على الحقوق الفكرية للأساتذة، ويؤدى فى الوقت نفسه إلى الإضرار بمستواهم المعيشى، خاصة فى ظل تدنى الدخول مقارنة بمكانتهم العلمية والاجتماعية. ويؤكد أن هذه الممارسات لا تسرق جهد الأستاذ فقط، بل «تضرب العملية التعليمية فى مقتل»، لأنها تحول المعرفة إلى سلعة مشوهة ومنزوعة السياق الأكاديمى السليم.

ويرى المحاضر التربوى أن الحل لا يكمن فقط فى الإجراءات الإدارية، بل يحتاج إلى إطار تشريعى صارم يحمى الملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس، ويجرّم نسخ المحتوى وبيعه أو تداوله دون إذن. ويضيف أن وجود قانون واضح ورادع سيشجع الأساتذة على الإبداع والابتكار، لأنهم سيشعرون بأن جهدهم العلمى مصان ومقدر.

كما يشدد على أهمية توعية الطلاب بخطورة هذه الممارسات، وبأن نسخ المحاضرات والمذكرات وبيعها ليس «تحايلاً مشروعاً»، بل اعتداء على الحقوق العلمية وتشويه لمسار التعلم. ويختم بالتأكيد على أن الحفاظ على مكانة الأستاذ الجامعى وحقوقه الفكرية هو فى النهاية حفاظ على جودة التعليم نفسه، وعلى الدور الحقيقى للجامعة فى بناء المعرفة والإنسان معاً.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق