في ركن خفي من هذا العالم، يقف اليتيم وحده… لا يرفع صوته بشكوى، ولا يجيد سرد آلامه، لكن عينيه تقصان ما تعجز عنه الكلمات. ولتظهر الحقيقة الجلية؛ أن اليتم ليس مجرد غياب أب واراه التراب، وإنما هو فقد ظل كان يأوي إليه، وصوت كان يطمئنه، وقوة تحميه وتحرسه، وموجه يرشده، ومعلم يبني فيه ملامح الغد. إنها حكاية وجع صامت، تقرأ في العيون قبل الكلمات، وتترجمها ملامح الحنين إلى حضن لن يعود؛ هو قلب تعلم مبكرا كيف يواجه الحياة بلا سند، وكيف يخفي انكساره خلف ابتسامة خجولة تخفى ورائها كثيرا من التساؤلات، وغصة لا يعرف كنهها إلا من ذاق مرارة الفقد في أول الصبى.
إن مرارة اليتم تلك الشدة العظيمة التي تمتدُّ الى الروح فتصيبها بجراح لا تلتئم مهما طال الزمن، وتتخلل إلى القلبٍ فتنهكه من ألام الفقد، وتصيب النفس باحتياج صامت إلى عمادٍ لا يعوَّض.
تبدأ رعاية اليتيم في لغتنا العربية من دقة المسمى؛ فالعرب تفرق بين من فقد عطف الأمومة وبين من فقد حماية الأبوة، فـ "العَجِيُّ" من الناس هو الذي ماتت أمه، أما "اليتيم" فهو من مات أبوه، فإذا فقدهما معًا فهو "اللطيم". هذا التنوع في المسميات يعكس مدى خصوصية هذه الفئات في وجدان المجتمع واهتمامه بهم.
و اليتيم حولنا ليس مجرد فرد فقد أباه، بل هو في الحقيقة اختبار حقيقي لمدى رقي هذا المجتمع وقوته الأخلاقية فى التعامل مع هذه الفئة الضعيفة التي فقدت الملهم والموجه الأول.
فاليتم ليس ذنبًا اقترفه الأيتام، بل هو قدر فُرض عليهم، مما يجعل من حمايتهم وتوفير حياة كريمة لهم مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأقربين وحدهم.
ولا تقتصر الرعاية لهم فى الناحية المادية فحسب، بل تمتد لتشمل كل جوانب حياتهم من الرعاية الصحية والاجتماعية والعاطفية، فما تركه العائل فى الحقيقية لا يعوض، ولا يستطيع أحد أن يقوم بمهامه الجسام، ولكنها محاولة من المجتمع المحيط بهم أن يسد بعض الخلل، والتحديات التى يواجهها هؤلاء مضاعفة بالمقارنة بغيرهم لأنه يحتاج إلى عائل مخلص وصادق وأمين يوفر لهم جزءً من الشعور بالأمان والقبول ليعوضهم بعض ما فقدوه، وإلى بيئة تحفزهم على النجاح بدلًا من الإنكسار تحت وطأة الشعور بالنقص.
إن قياس رقى المجتمعات يقاس بطريقة تعامل أبناءها مع أضعف أعضاءها واحتوائهم وتقديم الدعم الكامل لهم.
ونحن نستطيع أن نوجه لهم كثيرًا من صور المعروف والعطاء التى لا تكلف مالًا ولا جهدًا مثل الكلمة الطيبة، والتشجيع، والرعاية الاجتماعية، وتوفير الرعاية المادية من المسكن المناسب والتعليم والمأكل والمشرب اللائق بحياة أدمية.
إن رعاية اليتيم ودمجه مع قرنائه في المجتمع والنظر إليه بعين الاحترام والتقدير لا النظر إليه دائمًا بعين الشفقة والتى لا تزيده إلا ألمًا وحسرة على حاله لهو أصدق دليل على الرقي و سمو الأخلاق.
احتواء اليتيم ورعايته
كما أن احتواء اليتيم أمر يعزز ثقته بنفسه، مما يجعله عضوًا صالحًا بالمجتمع، وفردًا فاعلًا ومنتجًا بالمجتمع يبنى ويعمر ويفيد نفسه وبلاده.
كما أن رعاية الأيتام هى فى حقيقتها تجسيد لقيم الرحمة الإسلامية التى أمر بها القران والسنة النبوية الشريفة.
فلقد ضمن القرآن الكريم ضمن آياته منهجًا متكاملًا لرعاية الأيتام فى كل جوانب حياتهم لا سيما صيانة أموالهم من الضياع
فقال تعالى:{وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]. وهنا يحذر الله تعالى من الاعتداء على أموالهم وضياعها وتوعد كل قيم ووصى وولي يتهاون فى ذلك وشبيه ذلك بل أشد ما جاء فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" النساء: 10.
بل إن مجرد القرب من أموالهم بشكل يوحى بضياع هذه الأموال هو أمر منهى عنه، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ" الأنعام: 152.
بل إن رسولنا الهادى البشير يبين خطورة هذا الجرم من خلال وصفه بأنه من ضمن المهلكات التي يجب أن يتجنبها الإنسان ففى الحديث الذي رواه أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ)، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: (الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ، ..." متفق عليه.
كما أن من شدة اهتمام الإسلام بهم بين القرآن أن من الإثم العظيم قهرُ الأيتام وذلك بإذلالِهم أو إهانتهِم أو التقليل من شأنهم وتحقيرهم قال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: 9، وهو نهى صريح فى عدم قهرهم، بل الواجب التلاطف معهم والإحسان إليهم.
بل من أوجب الواجبات أن تراعى نفسيةِ الأيتام غير القادرين وحفظ ماء وجوههم عند تسليمهم المساعداتِ أن يكون ذلك بصورة تكفل لهم كرامتهم الآدمية.
وإلى جميع الأوصياء والأولياء اعلموا أنكم مقيدون في تصرفاتكم فى أموال اليتامي بالنظر فى مصلحتهم وضرورياتهم.
وأن هذه الأموال بين أيديكم أمانه وأنها يوم القيامة خزى وندامة على من استهان بها أو أكلها أو ضيعها فى غير الأمر الذى وضعت له، ولذلك وضعت الشريعة الإسلامية الغراء الضوابط التى تصون أموالهم فيكون الإنفاق أولًا على الضروريات ثم الحاجيات ثم الكماليات، مع تجنب الإسراف والتبذير في هذه الأموال، وإذا وجدت أموال زائدة عن نفقتهم فللولي استثمار هذه الأموال وتنميتها فيما أحل الله تعالى حتى لا تفنى وتتلاشي في النفقات أو تأكلها الصدقات، ويتضح ذلك مما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" السنن الكبري للبيهقي.
وعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، "أَنَّهُ اشْتَرَى لِبَنِي أَخِيهِ يَتَامَى فِي حَجْرِهِ مَالًا، فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بَعْدُ بِمَالٍ كَثِيرٍ". مالك فى الموطّأ.
ومن الإثمِ الكبيرِ: أن يأخذ الولي من مال اليتيم الشيء النفيس ويضعَ بدلاً منه الشيء الرديء، وأن يَخْلِطَ مالَهُ بمالهِ فيأكله بعضه أو جميعه، قال تعالى: " وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا " النساء: 2
وفى نهاية الأمر تُسلَّم إليهم أموالهم ولكن هذا مشروط بتوافر شرطين؛ هما البلوغُ والرُشْدُ، قال سبحانه: " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ " النساء: 6.
إن كل يتيم هو طاقة كامنة تنتظر فرصة سانحة ومستقبل ينتظر مشعلًا يضيئه.
إننا لا نحتاج إلى الكثير لنغير حياة يتيم؛ بل يكفينا الإلتزام بتقديم الوقت، والاهتمام، والحب الصادق. فلنجعل من مجتمعاتنا بيئة تحتضن ولا تستثني، وتُجبر الخواطر ولا تكسرها، ففي رعاية اليتيم صلاح الفرد وتماسك المجتمع.
إنَّ رعاية اليتيم في المجتمع ليست نافلة أو عملاً تطوعيًا فائضًا عن الحاجة نابعًا من مِنةٍ أو تفضّل، يتبرع ويتكرم به المجتمع حين يشاء وعلى من يشاء، بل هي واجب دينى وحقٌ أصيل للطفل ويقين محتمٌ على المجتمع. إنَّ مَن يظن أن كفالة الأيتام ومعاونتهم وقضاء حاجاتهم هي 'إحسانٌ إضافي' يفعله وقت فراغه، يغفل عن حقيقة أنَّ ذلك آداء دين فى ذمة المجتمعَ ، وأنه من المفروض أن يكون المجتمع جسدًا واحد، وأنَّ تركَ اليتيم لمواجهة غمار الحياة بمفرده هو خللٌ في توازن هذا الجسد، ويبقى حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبراسًا وعمادًا سُطّر بمداد من نور يهتدى به الناس إذ قال صلوات ربى وسلامه عليه أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطي رواه مسلم.
إنها دعوةٌ نبوية صريحة لجعل اليتيم جزءً لا يتجزأ من كياننا، لننال بصحبته رفقةَ سيد الخلق في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.
بقلم الدكتور عبد الحليم إبراهيم كرسون- عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

















0 تعليق