نحن الآن فى أجمل أيام السنة.. هكذا حدثتنا الطفولة.. هذا ما أدركناه فى أيامنا الأولى من حصة التعبير.. ألم يكن هذا هو النسيم الذى جاء فرحًا بمواعيد الحصاد.. أليست تلك أيام الفريك فى فرن الخبيز نجمعه من الغيطان قبل أن يأتى النورج.. والقراقرية الذين يذرون بالمدراة الحبوب فى ناحية والتبن فى ناحية أخرى.. هى نفس الأيام لكن شيئًا ما أفسدها، فلم نعد نراها.. لم نكن نعرف الفرق بين أعياد الأقباط وأعياد غيرهم.. هو أحد الزعف.. عشرات من أصحابنا يلتفون حول جدى فى كرم النخيل يحصلون على القلوب الصفراء والجريد الطازج.. كنا نفعل ذلك معًا.
لم يقل لنا أحد ما معنى ذلك الاحتفال بالبيض الذى تجمعه جداتنا من عشش الفراخ وتقوم النساء بتلوينه بمنقوع الكركديه ليصبح أحمر.. أو بالكركم ليصبح أصفر.. وأحيانًا بتفل الشاى ليصير بنيًا.. كل ما نعرفه أنها كانت أيام الفرح واللهو صباحًا بالقرب من النيل.. هو فصل الخيرات إذن.. الجيران يبنون من الطين المخلوط بروث البقر دوارق عالية تستعد لاستقبال القمح لتخزينه.. نفس الحجرة.. حجرة الخزين كان بها وعاء مشابه مقلوب على وجهه اسمه المكب.. تحته خيرات الله.. سمن وزبد ولبن ورايب فى المواجير.. وإلى الحائط تستند علاوى المش والعسل.
هى أيام الفرح لا شك.. فزهور التوت قد أينعت.. لم يكن مزروعًا بكثافة على الترع.. لكنه موجود فى الجناين الكبيرة التى صارت بيوتًا أسمنتية الآن.. زهور الخوخ أينعت أيضًا.. هى أيام الفرح لا شك.. والسندريلا تغنى على شاشة التليفزيون الأبيض والأسود من شركة النصر.. بالله.. أين ذهب الربيع؟.. لماذا صار اسمه الربيع العربى وهو لم يعرف العرب من قديم أو بعيد؟
لن أكون مخادعًا.. وأقول إن ربيعنا اختفى فجأة.. وإن الفصول تغيرت فجأة.. كبرنا نعم.. اختلفت الفصول نعم.. لكن لم يحدث كل ما جرى صدفة.
نحن أبناء الجيل الذى هو على مشارف الستين يعرف- منذ أيام حرب الخليج وربما من قبل ذلك بكثير- أن ما جرى فى كامب ديفيد لم يكن سوى هدنة.. أو بالأحرى لم يكن سوى خدعة.. وربما لهذا السبب لم تهمل مصر سلاحها يومًا.. ولم ينس شعبها لحظة أنهم العدو.. ربما سيحاربون فى أماكن أخرى من بلاد الله لكنهم سيعودون.. وسنكون بانتظارهم.. فهل هو موعد الحصاد الآن؟
الربيع الأمريكى، سواء اتخذ اسم الحروب الصليبية.. أو لم يرتدِ أى ثوب من أثواب كهنة المعابد الصهيونية.. كان لا بد أن يأتى.. الأرض ما تشيلناش سوا.. فهل اقتربت الساعة؟
أسهمت الـ«سوشيال ميديا» ومن قبلها الفضائيات فى تشتيت انتباه الجميع.. اختلطت المعايير والمفاهيم.. انساق بعضنا وراء الخدعة بعد الخدعة.. تم تدمير خلايا التفكير فى أمخاخ الملايين.. تهنا حتى كدنا نقع فى المحظور ونظن أن الأعداء أصدقاء.. لكن الملايين التى أصابها التلوث من الأرض ومن السماء.. لم تنسحق تمامًا.. هى فقط نخلة ومالت.. كما قال الأبنودى فى قصيدته الشهيرة: يابو الغنا يا نيل نخلة أبوك مالت.. وربما مالت بعض الرءوس فى اتجاه الدولار الأخضر.. أو الدينار أو الريال أو الشيكل.
الخمور ألوان والرءوس المستعدة للدوران جاهزة.. لكن جدور النخل ثابتة.. عند أول التحام حقيقى أو ما يشبه الالتحام تعود القلوب سيرتها الأولى.. هذا ما نعرفه ونحفظه.. من أيامنا الأولى أو ربما من أيام مصر الأولى هناك عند رأس أوزيريس فى معبد أبيدوس.. لكن بعضهم لا يفهم.. خصوصًا من أولئك الذين لا تاريخ لهم ولا نيل.. الصحارى الرقطاء العجفاء لا تعرف سوى مواسم المطر.. لا تعرف ما يعرفه النيل حقًا.. ولهذا احتاروا فى تفسير لماذا يتعاطف أغلب المصريين مع طهران.. هم يعرفون عدوهم يا سادة لكنكم لا تعرفون.. يعرفون أن الطريق نهايته واحدة وإن تعرّج.. وأن الفصول لا تتبدل.. وأن النسيم لا يخلف مواعيده مثلما لا تخلف الحرب مواعيدها.. هى أيام الفرح نعم.. لكن آل صهيون يستعجلون.
فشلت المفاوضات أو نجحت.. هى مجرد هدنة.. هى مجرد خدعة.. فالجوعى سيظلون جوعى.. يطمعون فى مراعينا من النهر إلى النهر.. فلا تغرنكم الأنباء.


















0 تعليق