ينظم قضايا النفقة والاستضافة والقائمة والحضانة:
يستهدف توازن الأسرة.. والاستضافة قيد النقاش
باحث شرعى:
الأحوال الشخصية يجب أن تُبنى على مصلحة الأسرة بضوابط واضحة
استشارى نفسى يحذر:
صراعات الأسر تدمر التوازن النفسى للأطفال والأمهات
فى بيتٍ انكسر تحت ضغط الخلافات، لم يكن الطلاق هو النهاية، بل بداية حكاية أكثر وجعًا؛ طفل ينتقل بين بيتين لا يشعر بأيٍّ منهما كاملًا، وأب يقف أمام باب مركز الرؤية يعدّ الدقائق كأنها عمر كامل، وأم تحاول التماسك تحت عبء مسؤولية مضاعفة وخوف مستمر على استقرار صغارها. هنا، لا تُكتب القصة فى نصوص القانون، بل فى تفاصيل يومية موجعة يعيشها الآلاف دون صوت.
وفى الواقع لم تعد هذه المشاهد استثناء، بل أصبحت واقعًا متكررًا داخل المجتمع المصرى، تعكس أزمة أعمق تتجاوز مجرد الخلاف بين زوجين، لتصبح منظومة كاملة تعانى من اختلالات متشابكة؛ صراع على الحضانة، جدل حول الرؤية والاستضافة، خلافات مستمرة بشأن النفقة، وإجراءات قانونية طويلة تستنزف كافة الأطراف نفسيًا وماديًا، بينما يظل الطفل الطرف الأكثر تأثرًا وسط هذا التشابك.
ومع تصاعد هذا الواقع، يقترب قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026 من لحظة الحسم، حاملًا معه تغييرات توصف بالأجرأ، تمس جوهر العلاقة بين الطرفين، من بينها الاتجاه إلى توحيد قضايا النفقات فى دعوى واحدة وتحديدها بنسبة من دخل الأب، واستبدال «الرؤية» بنظام «الاستضافة»، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات الحضانة، ومحاولات ضبط آليات التنفيذ لضمان التزام أكبر من جميع الأطراف.
وفى هذا الإطار، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، لتضع هذا الملف فى صدارة الأولويات، مؤكدًا ضرورة الإسراع فى إصدار تشريعات الأسرة بشكل متوازن، بما يضمن حقوق جميع الأطراف، ويحد من النزاعات الممتدة، مع التأكيد على أن مصلحة الطفل يجب أن تظل الأساس الحاكم لأى تعديل تشريعى، وليس ترجيح كفة طرف على حساب الآخر.
ورغم هذا التوجه، تظل التحديات قائمة على أرض الواقع، حيث تكشف التجربة اليومية عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية وآليات التنفيذ، إلى جانب مخاوف متزايدة من سوء التطبيق، فى مقابل مطالب مجتمعية بتحقيق عدالة حقيقية تضمن استقرار الطفل، وتمنع استمرار الصراع بعد الطلاق.
وفى خضم المناقشات تعكس أصوات المواطنين حجم الأزمة بشكل أكثر وضوحًا، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على بند بعينه، بل تمتد إلى منظومة الأحوال الشخصية بالكامل.
يقول «أحمد. م»، موظف: «المشكلة مش فى نقطة واحدة.. الحضانة فيها خلاف، والرؤية فيها أزمة، والنفقة كمان فيها مشاكل القانون كله محتاج إعادة نظر، لأنه لا يرضى أى طرف بشكل كامل».
بينما تقول «منى. س»، مطلقة وأم لطفل: «فيه ضغط كبير جدًا على الأم بعد الطلاق.. هى اللى بتربى وبتتحمل المسؤولية، وفى نفس الوقت بتدخل فى صراعات قانونية مستمرة الموضوع مش سهل زى ما الناس فاكرة».
أما «محمد. ع»، أب لطفلين، فيؤكد أن الشعور الأكبر لدى كثير من الآباء هو التهميش، قائلًا: «فيه إحساس إن الأب دوره بيقل بعد الطلاق.. سواء فى الحضانة أو حتى فى التواصل مع أولاده، وده بيأثر على الطفل كمان».
وفيما يتعلق بالنفقة، يشير «خالد. ف»، صاحب عمل: «فى حالات بتدفع أكتر من طاقتها، وحالات تانية بتهرب. مفيش معيار واضح ثابت، وده بيخلق مشاكل طول الوقت».
وتلفت «دعاء. ر»، موظفة، إلى معاناة التقاضي: «القضايا بتاخد وقت طويل جدًا، وده بيستنزف نفسيًا وماديًا».
بينما تؤكد «نجلاء. ع»، معلمة: «الأحكام بتطلع، لكن تنفيذها صعب.. وده بيخلى النزاع مستمر».
أما «أم محمد»، جدة، فتختصر المشهد بقولها: «الطفل بيتشد من هنا لهنا.. وهو اللى بيدفع التمن».
وفى رؤية أوسع، يقول «حسام. ك»: «القانون بقى بيأثر حتى على اللى لسه هيتجوز.. فى خوف حقيقى من اللى بعد الطلاق».
وتضيف «سمر. د»: «المشكلة مش قانون بس.. دى كمان محتاجة وعى من الطرفين».
فيما يؤكد «محمود. ع»: «لازم يكون فى توازن حقيقى..علشان الطفل يطلع سوى».
مشروع القانون
بين مطالب بإعادة التوازن، وشكاوى من بطء الإجراءات، ومخاوف من سوء التطبيق، تتفق هذه الأصوات على حقيقة واحدة: أن قانون الأحوال الشخصية لم يعد مجرد نصوص، بل قضية حياة كاملة، تحتاج إلى معالجة شاملة تضع مصلحة الطفل فوق أى اعتبار. ومن هنا تأتى أهمية مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذى يناقشه البرلمان والذى يتم تداول الكثير من المعلومات عنه منها أنه سيشمل تجميع كل قضايا النفقات وتشمل النفقة الزوجية ونفقة الصغار ونفقة اجر مسكن وحضانة ونفقة علاج ونفقة مصاريف دراسية فى قضية واحدة لتصبح قضية واحدة وتقديرها 40٪ من دخل الزوج، وفى حال عدم ثبوت عمل للزوج يتم احتساب 40٪ من الحد الأدنى للأجور، والتنفيذ يتم بفيزا للمطلقة تسمى Children visa من أحد البنوك المصرية على أن يتم وضع المبلغ أول كل شهر فى الحساب بمجرد حكم المحكمة ولا يوجد استئناف للحكم.
وفى قضايا المنقولات الزوجية والذهب يتم تسليم المنقولات كاملة طبقا للقائمة التى تم التوقيع عليها من جانب الزوج وفى حال عدم التسليم يتم سداد المبلغ المذكور بقائمة المنقولات على سنة ووضع المبلغ بحساب Children visa، أما بالنسبة للذهب فهو لصيق للزوجة ولا يعتد بالدعوى المرفوعة فيه.
وفى قضايا الرؤية ينص مشروع القانون على أن تلغى الرؤية بمراكز الشباب ويتم استبدالها بالاستضافة لمدة يومين بالاسبوع يتم الاتفاق عليهما بين الطرفين على أن يتسلم الأب أبنائه من مركز الشباب بعد التوقيع على إقرار باستلامهما وإعادتهما بعد الاستضافة، وفى حال التقصير بالبنود وعدم التنفيذ بالساعات المحددة يتم توقيع غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه مصرى ولا تزيد عن 80 ألف جنيه وفقا لتقدير القاضى وإثبات ما يثبت التقصير من أحد الأطراف.
كما يناقش مشروع القانون قضايا الحضانة وترتيب الحاضنين وقضايا المؤخر والعدة والمتعة وغيرها من القضايا الخلافية، إلا أن الدكتورة نهى الجندى، المحامية المتخصصة فى قضايا الأحوال الشخصية، أكدت أن ما يتم تداوله بشأن تعديلات القانون لا يزال فى إطار المناقشات، ولن يصبح نافذًا إلا بعد إقراره رسميًا ونشره فى الجريدة الرسمية، مشيرة إلى أن نص القانون على أن تكون النفقة نسبة من الدخل أمر عادل جدا، وحول ما أشيع عن اقتسام ثروة الزوج فقالت أن هذا مخالف للشريعة. وأضافت أن القانون الجديد يجب أن يقضى على المشاكل الخلافية الحالية وأهمها: تطبيق نظام «الاستضافة» والمبيت، معتبرة أنه يمثل حقًا شرعيًا أصيلًا للأب، وليس مجرد مطلب اجتماعى.
وأوضحت أن الأب ليس مجرد طرف فى النزاع، بل هو «عمود الأسرة»، وركيزة أساسية فى تكوين شخصية الطفل، مشددة على أن غيابه عن حياة الأبناء اليومية يخلق فراغًا نفسيًا وتربويًا لا يمكن تعويضه.
وانتقدت ما وصفته بظاهرة «شحن الأطفال» ضد الأب، مؤكدة أن هذا السلوك يضر بالطفل قبل أى طرف آخر، داعية الأمهات إلى الحفاظ على صورة الأب أمام أبنائه مهما كانت الخلافات.
وفى الوقت ذاته، فرّقت بين الأب المسؤول وغيره، موضحة أن من يتنصل من واجباته لا يستحق التمتع بكافة الحقوق، مؤكدة ضرورة تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات.
الطفل ضحية صراع لا يفهمه
على الجانب النفسى، حذر الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى، من خطورة تجاهل البعد النفسى فى هذا الجدل، مؤكدًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بالقوانين، بل بطبيعة الشخصيات التى تدير الصراع بعد الطلاق.
وأوضح أن الشخصيات المتزنة قادرة على إدارة الخلاف بشكل صحى، بينما تؤدى اضطرابات الشخصية إلى تصعيد مستمر يحول العلاقة إلى صراع حاد، ينعكس بشكل مباشر على الأبناء.
وأشار إلى أن الأطفال فى هذه الحالات يصبحون ضحايا، حيث يتعرضون لضغوط نفسية قد تتطور إلى اضطرابات حقيقية نتيجة الشحن المستمر ضد أحد الوالدين، مؤكدًا أن تشويه صورة الأب أو الأم يخلق خللًا عاطفيًا عميقًا. وأضاف أن العلاقة بين الأب وأبنائه لا يمكن اختزالها فى الإنفاق، بل تقوم على التواصل والاحتواء، موضحًا أن حرمان الأب من التفاعل الطبيعى مع أبنائه يؤدى إلى تآكل الرابط الإنسانى. مؤكدًا أن الاستضافة تمثل بديلًا أفضل من الرؤية وكشف عن ظاهرة خطيرة تتمثل فى استخدام الأطفال كوسيلة للضغط أو الابتزاز، وهو ما يدمر العلاقة الأسرية، وقد أكد أن الحل لا يكمن فقط فى تعديل القوانين، بل فى تحقيق توازن حقيقى يضمن وجود الطفل مع كلا الوالدين، مشيرًا إلى أن هذا التوازن يساهم فى بناء شخصية مستقرة.
معيار واحد
من الناحية الشرعية، أكد الدكتور محمد السيد العزازى، باحث الدكتوراه بقسم المناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، أن الشريعة الإسلامية تضع مصلحة الطفل فى مقدمة أى حكم، مشددًا على أن الحضانة فى جوهرها حق للصغير قبل أن تكون حقًا للأبوين.
وأوضح أن الشريعة لم تحدد شكلًا ثابتًا للرؤية أو الاستضافة، لكنها أكدت ضرورة الحفاظ على صلة الطفل بكلا والديه، معتبرًا أن الاستضافة جائزة شرعًا، بل قد تكون أكثر تحقيقًا للمصلحة من الرؤية المحدودة. مشددا على أن هذه الجوازية ليست مطلقة، بل مقيدة بضوابط تضمن الأمان والاستقرار، وتمنع تحويلها إلى أداة للنزاع أو الإضرار بالطفل.
وأشار إلى أن تقديم الأم فى الحضانة ليس حكمًا جامدًا، بل مرتبطا بمدى تحقق شروط الرعاية، مؤكدًا أن بقاء الحضانة يجب أن يكون مع الأصلح، مع ضمان دور الأب التربوى وعدم تهميشه. وفيما يتعلق بالنفقة، أكد أنها واجب شرعى على الأب وفق قدرته المالية، بما يحقق التوازن بين احتياجات الطفل وعدم تحميل الأب ما لا يطيق.


















0 تعليق