في محاولة لتغيير مفهوم التعامل مع المخلفات وتحويلها من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، بدأ حي الدقي بمحافظة الجيزة تجربة جديدة تعتمد على استخدام ماكينات المخلفات الذكية التي تتيح للمواطنين التخلص من العبوات البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية الفارغة مقابل الحصول على نقاط يمكن تحويلها إلى رصيد مالي.
وتأتي هذه التجربة في إطار توجه نحو استخدام التكنولوجيا في دعم منظومة إعادة التدوير، ونشر ثقافة الاقتصاد الدائري الذي يقوم على إعادة الاستفادة من المخلفات بدلًا من التخلص منها بالطرق التقليدية، بما يسهم في تقليل حجم القمامة وتحسين المظهر الحضاري للشوارع.
ماكينات ذكية في قلب الدقي
وقد تم احتيار عددًا من المواقع الحيوية داخل حي الدقي لبدء المرحلة التجريبية للمشروع، حيث تم تركيب الماكينات في شارع التحرير، بالقرب من المناطق التي تشهد كثافات مرتفعة من المواطنين، إذ توجد إحدى الماكينات أمام بنك فيصل الإسلامي بمحيط ميدان الجلاء، بينما تم وضع ماكينة أخرى على مسافة قريبة من الموقع نفسه، بهدف اختبار مدى إقبال المواطنين على استخدامها وسهولة وصولهم إليها، وقد صُممت هذه الأجهزة لتكون سهلة الاستخدام، إذ تعتمد على شاشات تفاعلية تتيح للمواطن إدخال بياناته ومتابعة عملية تحويل المخلفات إلى نقاط ورصيد مالي.
كيف تتحول الزجاجة البلاستيكية إلى مقابل مادي؟
تعتمد المنظومة الجديدة على فكرة بسيطة تقوم على مبدأ "النقاط مقابل المخلفات"، حيث يحصل المواطن على نقاط مالية مقابل كل عبوة يتم إدخالها إلى الماكينة، وتبدأ العملية بجمع الزجاجات البلاستيكية أو علب الكانز الفارغة، ثم وضعها في المكان المخصص داخل الجهاز، الذي يتعرف تلقائيًا على نوع العبوة وحجمها، وتمنح الماكينة نقطة واحدة مقابل الزجاجة البلاستيكية الصغيرة، بينما يحصل المستخدم على نقطتين مقابل الزجاجات البلاستيكية الكبيرة وعلب المشروبات المعدنية "الكانز"، بعد ذلك يقوم المواطن بإدخال رقم هاتفه المحمول عبر شاشة الماكينة، ليتم تسجيل النقاط وتحويلها إلى رصيد مالي يُرسل إليه في رسالة نصية، بما يجعل عملية إعادة التدوير مرتبطة بحافز مباشر يشجع على المشاركة.
أهداف تتجاوز جمع المخلفات
لا تستهدف التجربة فقط التخلص من العبوات البلاستيكية، لكنها تحمل أهدافًا بيئية واجتماعية أوسع، أبرزها تقليل انتشار المخلفات في الشوارع، وتشجيع المواطنين على تغيير سلوكياتهم اليومية تجاه القمامة، كما تسهم هذه الماكينات في جذب المخلفات القابلة لإعادة التدوير إلى مسار منظم بدلًا من تركها للبحث العشوائي داخل صناديق القمامة، وهو ما يساعد في الحد من ظاهرة النباشين وتقليل التعامل غير الآمن مع المخلفات، وتعمل المبادرة كذلك على نشر ثقافة إعادة الاستخدام بين المواطنين، خاصة الأجيال الجديدة، من خلال ربط الحفاظ على البيئة بفائدة ملموسة يحصل عليها الفرد مقابل سلوك إيجابي.
هل تصبح التجربة نموذجًا قابلًا للتعميم؟
يراقب حي الدقي خلال الفترة الحالية مدى تفاعل المواطنين مع الماكينات الذكية، تمهيدًا لتقييم التجربة ودراسة إمكانية التوسع في نشرها داخل مناطق أخرى بمحافظة الجيزة، ويرى خبراء البيئة أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يعتمد فقط على توفير الماكينات، وإنما يحتاج إلى نشر الوعي بأهمية فرز المخلفات من المصدر، وتوفير منظومة متكاملة لجمع ونقل وإعادة تدوير القمامة.
وتأتي هذه الخطوة المبتكرة في توقيت حساس تشهده مصر على صعيد إدارة الملف البيئي، إذ تشير تقارير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء إلى أن حجم استهلاك مصر من المنتجات البلاستيكية بلغ نحو 5 ملايين طن، بنسبة نمو سنوي تقدر بنحو 7.5%، كما أن إجمالي النفايات الصلبة المولدة في البلاد يتراوح بين 26 إلى 28 مليون طن سنويًا، تشكل النفايات البلاستيكية وحدها نسبة تتراوح بين 10% إلى 14% منها “بما يعادل نحو 2.5 مليون طن نفايات بلاستيكية”.















0 تعليق