لم تمض ساعات على زيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى إسرائيل ولقائه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في محاولة لدفع خطة وقف إطلاق النار في غزة وتجاوز العقبات أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، حتى عادت الغارات الإسرائيلية لتفرض نفسها على المشهد، مخلفة عشرات الشهداء، في تطور لا يمكن فصله عن المسار السياسي المتعثر.
بينما تتحرك واشنطن لإحياء خريطة طريق يفترض أن تقود إلى تثبيت الهدنة وبدء الانسحاب المرحلي وإعادة الإعمار، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة السؤال: هل تملك الإدارة الأمريكية فعلًا القدرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، أم أن نتنياهو لا يزال قادرًا على فرض إيقاعه السياسي والعسكري رغم الضغوط؟
المفارقة أن التصعيد جاء في اللحظة التي يفترض أن تنصرف فيها الجهود إلى تثبيت وقف إطلاق النار، لا إلى احتواء جولة جديدة من التوتر، المشكلة لم تعد مرتبطة بغياب المبادرات أو نقص الوسطاء، وإنما باتت تدور حول الفجوة بين التفاهمات السياسية والوقائع الميدانية.
وكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجعت فرص الانتقال إلى المرحلة التالية، وتحولت الهدنة من مدخل لإنهاء الحرب إلى مجرد مساحة مؤقتة لإدارة الصراع.
ومن هنا جاءت التحركات المصرية والقطرية والتركية، التي أدانت التصعيد الإسرائيلي الأخير وحذرت من أنه يقوض الجهود الإقليمية والدولية في مرحلة حرجة، مطالبة إسرائيل بالالتزام الكامل بتعهداتها، وداعية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات تضمن تنفيذ الاتفاق. وتكشف هذه المواقف أن الوسطاء نجحوا في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، لكنهم يواجهون معضلة تتجاوز قدرتهم على تقريب المواقف: من يملك أدوات إلزام الطرف الذي يستطيع تغيير المعادلة على الأرض؟
في هذا السياق، تبدو التطورات المرتبطة بالمرحلة الثانية من الاتفاق شديدة الدلالة، قد تمكنت الوساطة الثلاثية من تجاوز إحدى القضايا الأكثر تعقيدًا، والمتمثلة في مسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وحصره بيد سلطة مدنية ممثلة باللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة.
وكان من شأن معالجة هذا الملف أن تزيل واحدة من أبرز العقبات أمام الانتقال إلى المرحلة التالية، إلا أن تجاوزها لم يفتح الطريق تلقائيًا أمام التنفيذ، حسب الطرح الذي تقدمه الدول الوسيطة، لا تزال المشكلة الأساسية مرتبطة بعدم تنفيذ إسرائيل التزاماتها، سواء تلك المتعلقة بالمرحلة الأولى أو الاستحقاقات الخاصة بالمرحلة الثانية.
وهنا تتغير طبيعة الأزمة، المفاوضات لم تعد تبحث فقط عن صيغة اتفاق، وإنما عن آلية تضمن احترام الاتفاق بعد إبرامه. وهذه نقطة فارقة، لأن أي تفاهم سياسي يفقد قيمته إذا لم تكن هناك ضمانات تمنع أحد الأطراف من الانتقائية في تطبيق بنوده.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع الموقف الإسرائيلي من ترتيبات ما بعد الحرب، قد نفى مكتب نتنياهو موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية على دخول قوة استقرار دولية إلى قطاع غزة، في رد على تقارير تحدثت عن هذا الاحتمال ضمن المبادرات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
ولا تبدو هذه المسألة تفصيلًا إجرائيًا، إذ إن شكل الترتيبات الأمنية والإدارية في غزة يمثل جوهر المرحلة المقبلة، من سيدير القطاع؟ ومن سيتولى مسؤولية الأمن؟ وكيف سيتم الانتقال من واقع الحرب إلى واقع مدني يسمح بإعادة الإعمار؟
هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد تثبيت الهدنة، لأنها جزء من أسباب تعثرها، كل طرف يدخل المفاوضات وهو يحمل تصورًا مختلفًا عن اليوم التالي،بينما تحاول الوساطة صياغة ترتيبات يمكن أن تحظى بالقبول وتمنع عودة الصراع.
ومن ثم، فإن رفض أو تأجيل بعض هذه الترتيبات من الجانب الإسرائيلي يضع المسار السياسي أمام اختبار جديد، خصوصًا في ظل وجود تيارات داخل الحكومة الإسرائيلية تدفع باتجاه خيارات تتناقض مع فكرة التسوية السياسية.
وهنا تبرز أهمية الموقف المصري من المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في منطقة E1، إذ حذرت القاهرة من تداعياته على تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية.
الحديث عن مستقبل غزة لا يمكن أن ينفصل عن التطورات في الضفة، وإذا كانت الحرب تعيد تشكيل الواقع الإنساني والأمني في القطاع، فإن الاستيطان يعمل بالتوازي على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية.
وتزداد خطورة هذا المسار مع طرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خطة لجلب مليون مستوطن إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة،مثل هذه الطروحات لا تمثل مجرد موقف سياسي داخلي، بل تعكس توجهًا يسعى إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض، بما يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا.
وبذلك، يصبح وقف إطلاق النار في غزة جزءًا من معادلة أوسع، هل تتجه المنطقة نحو تهدئة تمهد لمسار سياسي، أم نحو هدنة مؤقتة بالتزامن مع خطوات تغير الواقع الفلسطيني بصورة يصعب التراجع عنها؟
في قلب هذه المعادلة تقف الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل، ولذلك فإن الرهان المصري والقطري والتركي على الضغط الأميركي لا يأتي من فراغ، الوسطاء يستطيعون التفاوض وتقديم المقترحات، لكن واشنطن وحدها تقريبًا تمتلك مزيجًا من أدوات النفوذ التي يمكن أن تحول الضغط السياسي إلى التزام فعلي.
ولهذا تكتسب زيارة كوشنر أهمية تتجاوز مضمون اللقاءات التي أجراها، الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وبعدها مباشرة عاد التصعيد ليضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار عملي، هل تستطيع واشنطن التأثير في سلوك الحكومة الإسرائيلية، أم أن حدود نفوذها تظهر بوضوح عندما تتعارض الحسابات الإسرائيلية مع أولوياتها السياسية؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تتحدد بالتصريحات، وإنما بما سيحدث على الأرض، فإذا تمكنت واشنطن من وقف التصعيد وضمان تنفيذ الالتزامات، فإن ذلك سيعيد الثقة إلى خريطة الطريق،أما إذا استمرت العمليات العسكرية بالتوازي مع المفاوضات،ستتعمق القناعة بأن الولايات المتحدة تستطيع رعاية الاتفاق، لكنها لا تملك أو لا تستخدم الأدوات اللازمة لضمان تنفيذه.
لا تكمن الأزمة الحالية في عدم وجود مسار سياسي،هناك خطة، ووسطاء، واتصالات أمريكية، وجهود عربية وإقليمية متواصلة، لكن الحلقة الأضعف تبقى في التنفيذ.
الهدنة التي لا تمنع القصف، والاتفاق الذي لا يفرض التزامات واضحة، وخطة إعادة الإعمار التي لا تستند إلى ترتيبات مستقرة، كلها عناصر تجعل أي تقدم هشًا وقابلًا للانتكاس.
ومن هنا، فإن نجاح خريطة الطريق لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عن الوسطاء، وإنما بقدرتها على إنتاج واقع مختلف على الأرض، وقف فعلي للعمليات العسكرية، انسحاب مرحلي، ترتيبات أمنية وإدارية واضحة، وبدء إعادة الإعمار ضمن إطار سياسي قابل للاستمرار.
أما إذا ظلت المفاوضات تتحرك في مسار، بينما تتحرك الطائرات والوقائع الاستيطانية في مسار آخر، فإن المشكلة لن تكون في نقص المبادرات، بل في غياب القوة السياسية القادرة على تحويلها إلى واقع.
وهنا تحديدًا يقف اتفاق غزة أمام الاختبار الأصعب، ليس اختبار قدرة الوسطاء على التفاوض، وإنما اختبار قدرة واشنطن على استخدام نفوذها لضمان أن يصبح الاتفاق ملزمًا على الأرض، لا مجرد تفاهم جديد ينتظر جولة أخرى من التصعيد كي ينهار.












0 تعليق