صحفيون وأدباء قدموا أرواحهم فداء الكلمة
٢٦٢ شهيدا من الصحفيين بقطاع غزة وحدها
كنفاني والعلي وأبوعاقلة وأنس وقريقع.. أبرز شهداء الصحافة
روائيون وشعراء وفنانون ضحايا الاحتلال
ثلثا الصحفيين الذين قُتلوا في العالم سقطوا في غزة
حين تُغتال الكلمة وتكمم الحروف تضيع الحقيقة، هنا.. يتسلل الظالم تحت جنح الكذب ليروي سرديته الزائفة، دون رادع أو مكذب، أو راد.. هكذا تصبح الصحافة-أداة الكشف الأولى- خطرا على كل مدع، يبذل جهده في سبيل القضاء عليها، ليضمن تسرب أكذوبته ومن ثم ترعرعها في أرض الظلم والطغيان.
هنا يبرز سؤال أهم ونحن قد شهدنا في الثالث من مايو احتفاء العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة: أي حرية تلك التي تكتب بدماء صحفيين استشهدوا واغتيلوا بأيدي محتل غاشم في فلسطين وغيرها؟ بل أي تاريخ يمكن أن تسطره جثث المئات من حاملي الكلمة وحراس الحقيقة؟

وإذا كان الاحتفاء بحرية الصحافة يأتي تأكيداً على أهمية حماية العمل الصحفي وصون حرية الرأي والتعبير باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي نظام ديمقراطي، وضمانةً لحق الشعوب في الوصول إلى الحقيقة، فقد تحول العمل الصحفي إلى مهمة محفوفة بالموت والاستهداف المباشر.
ففي آخر بيان له، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتقاء 262 شهيداً من الصحفيين والإعلاميين منذ بدء العدوان، وتعرض 50 صحفياً للاعتقال في ظروف قاسية، فيما لا يزال 3 صحفيين في عداد المفقودين بفعل ممارسات الاحتلال، بينما أصيب أكثر من 420 صحفياً بجراح متفاوتة، بعضهم بإصابات خطيرة أدت إلى بتر أطراف وإعاقات دائمة، وكان من أبرز الصحفيين أنس الشريف، محمد قريقع، ومريم أبو دقة في 2025، بالإضافة إلى محمد صلاح قشطة، أنس غنيم، وعبد الرؤوف شعت (2026) العاملين مع اللجنة المصرية للإغاثة.
فيما تعرض عشرات الصحفيين للاعتقال والتنكيل إلى جانب قصف مقرات وسائل الإعلام وتدميرها بشكل متعمد، وهو ما يؤكد أن ما يجري في غزة يمثل “محاولة ممنهجة لاغتيال الحقيقة”.
ويتضح هذا الجرم المرتكب في حق الصحفيين بغزة إذا ما طالعنا تقرير اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، والذي جاء فيه أن ثلثي الصحفيين الذين قُتلوا في العالم سقطوا في غزة بنيران قوات الاحتلال، وبينما تعددت وسائل استهداف الصحفيين بغزة، فإن ٢٨ بالمائة منهم قتلوا بمسيرات.
والأرقام المثبتة لا تكذب، فقد قتل خلال عامين بغزة أكثر من ٢٦٠ صحفيا بينما خلال الحرب العالمية الثانية التي استمرت ست سنوات قتل ٥٩ صحفيا، وفي فيتنام التي استمرت بها الحرب عشرين عاما قتل ٦٣ صحفيا، وفي حرب روسيا على أوكرانيا سقط ٢٩ صحفيا منذ ٢٠١٤، وهو ما يدل على أن ما يحدث بغزة من استهداف متعمد للصحفيين هو مجزرة في محاولة للتشويش على المجزرة الكبرى.

* استشهاد صحفيين وأدباء على أبواب الحقيقة
والواقع أنه كلما ذكرنا الشهداء من الصحفيين، يبرز على صفحة ذاكرتنا أسماء، بعضها جمع بين الصحافة والأدب، وتوثيق الرواية الفلسطينية، وآخرون عملوا بالصحافة فحسب، أو امتهنوا الأدب والكتابة فقط، ونحن في السطور التالية نحاول الإشارة إلى بعض هذه الأسماء، التي يضيق المكان لذكرها جميعا.
• غسان كنفاني:
أحد أبرز أدباء المقاومة الفلسطينية، هو روائي وقاص وصحفي فلسطيني، ويعتبر أحد أشهر الكتاب والصحافيين العرب في القرن العشرين، فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية. ولد في عكا، شمال فلسطين، عام 1936م، أجبر على اللجوء مع عائلته في بادئ الأمر إلى لبنان ثم إلى سوريا، عاش وعمل في دمشق ثم في الكويت وبعد ذلك في بيروت منذ 1960 وفي يوليو 1972، استشهد في بيروت مع ابنة أخته لميس في انفجار سيارة مفخخة على أيدي عملاء إسرائيليين، ووري الثرى في مقبرة الشهداء (بيروت).
ناجي سليم حسين العلي
(1937 إلى 29 اغسطس 1987)، رسام كاريكاتير فلسطيني، تميز بالنقد اللاذع الذي ساهم في تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي من خلال رسومه الكاريكاتورية، ويعتبر من أهم الفنانين الفلسطينيين الذين عملوا على ريادة التغيّر السياسي باستخدام الفن كأحد أساليب التكثيف. له أربعون ألف رسم كاريكاتوري، أشهرها شخصية حنظلة، اغتاله شخص مجهول في لندن عام 1987.
• ماجد أبو شرار (1981):
أديب ومفكر فلسطيني، اغتيل في روما.
• كمال ناصر (1973):
شاعر وكاتب، اغتيل في بيروت في عملية "فردان".
* شيرين أبو عاقلة (3 أبريل 1971 – 11 مايو 2022):
صحفية بارزة فلسطينية، مراسلة قناة الجزيرة، استشهدت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، بالقرب من مخيم جنين، في مايو 2022.
* ومنذ انتفاضة أكتوبر ٢٠٢٣:
- يوسف دواس
استشهد الكاتب الصحفي والمصور الفلسطيني يوسف دواس في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزل عائلته في شمال غزة في 14 أكتوبر 2023.
كان دواس أيضاً عازف جيتار ومشاركاً نشطاً في مبادرة "لسنا أرقاماً". كتب باللغتين العربية والإنجليزية، وأنتج العديد من الفيديوهات التي تناقش مواضيع مختلفة، وفي يناير 2023، نشر يوسف مقالاً بعنوان " من سيدفع ثمن العشرين سنة التي أضعناها؟ "، يروي فيه يوسف كيف دمرت غارة صاروخية إسرائيلية بستان عائلته في مايو 2022.
مريم أبو دقة
استشهدت الصحفية الفلسطينية المستقلة مريم أبو دقة، المتعاونة مع صحيفة إندبندنت عربية ووكالة أسوشيتد برس، في الخامس والعشرين من أغسطس 2025، في غارة إسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب غزة.
معاذ أبو طه
استشهد الصحفي المستقل معاذ أبو طه، المتعاون مع صحيفة إندبندنت عربية، في الخامس والعشرين من أغسطس 2025، في غارة إسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب غزة.
أحمد أبو عزيز
استشهد الصحفي المستقل أحمد أبو عزيز، المراسل في شبكة قدس الإخبارية، في الخامس والعشرين من أغسطس 2025، في غارة إسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب غزة.
شبكة قدس الإخبارية شاركت كلمات أحمد أبو عزيز وهو يصف حاله في غزة قائلاً "أنا أحمد... أعيش في غزة، وأكاد أسقط من الجوع"
وأضاف "لم تعد حياتي في غزة مجرد صراع من أجل الكرامة، بل معركة يومية من أجل البقاء"
حسام المصري
استشهد المصور حسام المصري، المتعاون مع وكالة رويترز، في الخامس والعشرين من أغسطس 2025، في الغارة الجوية الإسرائيلية الأولى على مستشفى ناصر في خان يونس، جنوبي القطاع، فيما استشهد أربعة صحفيين، في غارة جوية ثانية، أثناء تغطيتهم للغارة التي استشهد فيها حسام المصري.
أنس الشريف
استشهد الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، في العاشر من أغسطس 2025، مع أربعة صحفيين آخرين، في غارة جوية إسرائيلية بالقرب من مستشفى الشفاء في مدينة غزة.
الشاب ذو الثمانية والعشرين عاماً، كان يحرص على نقل الخبر من الميدان، ودائماً ما كان يظهر على الشاشة من المناطق القريبة من مواقع القصف أو الاشتباكات. رحل الشريف تاركاً خلفه ابنته شام (4 سنوات) وابنه صلاح (سنة) اللذين كان قد فارقهما قبل ذلك بعد أن أصر على البقاء في شمال القطاع لينقل الأخبار، رافضاً الامتثال لأوامر الإخلاء من قبل القوات الإسرائيلية.
محمد قريقع
استشهد محمد قريقع في الغارة الإسرائيلية ذاتها التي قتلت زميله أنس الشريف، وفي المكان ذاته الذي وُجدت فيه جثة والدته في أبريل 2024، في مستشفى الشفاء، بعد أن اقتحمه الجيش الإسرائيلي.
الشاب ذو الثلاثة وثلاثين عاماً، كان قد فقد أخاه أيضاً بعد أن أصيب في غارة إسرائيلية على منطقة الشجاعية في مارس 2025، ورحل محمد قريقع تاركاً خلفه زوجته وثلاثة أطفال (زين، وزينة، وسند).
* محمد وشاح
استشهد محمد وشاح في الثامن من أبريل 2026، في أحدث جرائم الاحتلال بحق الصحفيين. وفي فترات التصعيد والحرب، برز دور وشاح -الذي عمل مراسلا لقناة الجزيرة مباشر- بشكل أكبر، إذ أسهم في نقل مشاهد القصف والدمار، وتوثيق شهادات الضحايا، مقدما تغطية ميدانية مباشرة لما يجري على الأرض. وأثناء عودته من خيمة عمله إلى منزله في مخيم البريج على شارع الرشيد الساحلي جنوب مدينة غزة في الثامن من أبريل، استهدفته طائرة استطلاع إسرائيلية بصاروخ أصاب سيارته بشكل مباشر فاستشهد الزميل وشخص آخر كان برفقته.
*آمال شمالي
وفي التاسع من مارس 2026، اغتال الاحتلال الصحفية آمال شمالي التي كانت تعمل مراسلة لراديو قطر. وآنذاك، أفادت مصادر محلية باستشهاد ثلاثة مواطنين في قصف إسرائيلي استهدف خياما للنازحين في منطقة السوارحة وسط القطاع، بينهم الصحفية شمالي (46 عاما).
*شعث وقشطة وغنيم:
وفي 21 يناير 2026، اغتال الاحتلال ثلاثة صحفيين، هم: عبد الرؤوف سمير شعت ومحمد صلاح قشطة وأنس عبد الله غنيم الذين يعملون مع اللجنة المصرية لإغاثة غزة جراء قصف إسرائيلي استهدف سيارة كانوا يستقلونها وسط القطاع.
هبة أبو ندى
استشهدت الروائية والشاعرة والمعلمة هبة أبو ندى، وهي شخصية محبوبة في المجتمع الأدبي الفلسطيني ومؤلفة رواية " الأكسجين ليس للموتى" ، في غارة جوية إسرائيلية في جنوب غزة في 20 أكتوبر 2023.
في منشورها الأخير على فيسبوك، والذي نُشر في 8 أكتوبر، كتبت الكاتبة:
ليل غزة مظلمٌ إلا من وهج الصواريخ، هادئٌ إلا من دويّ القنابل، مرعبٌ إلا من عزاء الصلاة، حالك السواد إلا من نور الشهداء. ليلة سعيدة يا غزة.
عمر أبو شويش
استشهد الشاعر والروائي والناشط المجتمعي عمر فارس أبو شويش في 7 أكتوبر 2023 خلال قصف مخيم النصيرات للاجئين في غزة.
شارك أبو شويش في تأسيس العديد من الجمعيات الشبابية، وحصد جوائز محلية ودولية عديدة، نشر عدداً من مجموعات الشعر، بالإضافة إلى رواية بعنوان "على قايد الموت " (2016).
رفعت العرير
في السادس من ديسمبر 2023، استشهد الشاعر والكاتب وأستاذ الأدب والناشط الدكتور رفعت العرير في غارة جوية إسرائيلية استهدفته، وأسفرت أيضاً عن مقتل شقيقه وشقيقته وأربعة من أطفالها. وقد ترك وراءه زوجته نسيبة وأبناءه.
كان العرير أستاذاً للأدب والكتابة الإبداعية في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث كان يدرّس منذ عام 2007.
شارك في تحرير كتاب "غزة بلا صمت " (2015)، ومحرر كتاب "غزة ترد : قصص قصيرة من كتاب شباب في غزة، فلسطين" (2014).
كان العرير أيضًا أحد مؤسسي منظمة " لسنا أرقامًا" ، وهي منظمة غير ربحية تم إطلاقها في غزة بعد هجوم إسرائيل عام 2014، ومكرسة لإنشاء "جيل جديد من الكتاب والمفكرين الفلسطينيين القادرين على إحداث تغيير عميق في القضية الفلسطينية".
إيناس السقا
استشهدت إيناس السقا، الكاتبة المسرحية والممثلة والمعلمة الشهيرة التي عملت على نطاق واسع في مسرح الأطفال، في غارة جوية إسرائيلية أواخر أكتوبر 2023، إلى جانب ثلاثة من أطفالها: سارة ولين وإبراهيم. كانت السقا وأطفالها الخمسة يحتمون في مبنى بمدينة غزة عندما استُهدف بغارة جوية إسرائيلية.
جهاد المصري
توفي الدكتور جهاد سليمان المصري في 17 أكتوبر 2023، متأثراً بجراحه التي أصيب بها جراء القصف الإسرائيلي لخان يونس. وكان في طريقه للانضمام إلى زوجته وابنته وقت وقوع الهجوم. كان المصري مؤرخاً وأستاذاً جامعياً ذا إسهاماتٍ امتدت لأجيال. شغل منصب مدير فرع جامعة القدس المفتوحة في خان يونس. نشر العديد من الأبحاث في التاريخ الإسلامي والتراث الشفوي الفلسطيني في دوريات عربية وعالمية.
ما سبق كان قليلا من كثير، وبعضا من أجساد ارتقت فداء لتبيان الحق والدفاع عن الكلمة والحقيقة، تاركين وراءهم أحلاما وقصصا ودليلا على أن للحق صوتا أبدا لن يسكته الظالمون مهما ارتكبوا من جرائم.


















0 تعليق