حكم قصر الصلاة لمن غيّر محلّ إقامته حال سفره إلى بيت اخر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شرع اللهُ تعالى قصرَ الصلاة المكتوبة تخفيفًا عن المكلفين، ورفعًا للحرج عن المسافرين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، وقد ورد عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد أمِن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ» أخرجه الإمام مسلم.

قصر الصلاة في حال السفر

اقتضت حكمةُ الشَّارع أن يُخفِّف عن المكلفين حال السفر بعض ما أوجبه عليهم، مع بقاء أصل الفريضة، وتقليلِ كلفتها، ليظلَّ التكليف قائمًا على سنن الاعتدال، غير مفضٍ إلى ضيق أو حرج؛ تحقيقًا لمقصد الرحمة والتيسير الذي جاءت به الشريعة الغراء.

حكم قصر الصلاة لمن غير محل إقامته حال سفره إلى بيته في البلد

الموضع الذي استقرت فيه قدم الإنسان، واطمأنت إليه نفسه، واتَّخذه مقرًّا دائمًا لمعاشه مع زوجه وولده، ومجتمعًا لشمله وسكنه، بحيث تنتظم فيه شؤونه، وتستقر به أحواله، وتقوم به مصالحه على وجه يفيد دوام العيش واستقرار الحال، فإنه يعد محل إقامة ووطنًا له -وإن لم يكن موطن ميلاده أو نشأته-، تسري عليه فيه أحكام الإقامة.

فإذا انتقل الإنسان بأسرته من بلدٍ إلى آخر متخذًا إياه مقرًّا له -على جهة التأبيد- بدلًا عن الأول، وانتفت نية الارتحال عنه أو الانتقال منه أو الرجوع إلى المحل السابق، انعقدت له أحكام الإقامة في محل إقامته الجديد، وزالت عنه في المحل السابق، ومتى ثبت وصف الإقامة فيه لزمه إتمام الصلاة.

قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/ 249) مبينًا هيئة صلاة المهاجرين حال دخولهم مكة بعد استقرارهم بالمدينة: [إن أهل مكة لما أمروا بالهجرة عنها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتخذها أحد منهم بعد ذلك دار إقامة، فكان مَن قَدِم منهم إلى الحج لا ينوي إقامةً، وكان يصلي صلاة المسافر حتى يخرج] اهـ.

وقال الإمام ابن نُجيم في "البحر الرائق" (2/ 147، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وطن الإنسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارًا وتوطَّن بها مع أهله وولده، وليس من قصده الارتحال عنها بل التَّعيش بها] اهـ.

ويترتب على ذلك أنَّه إذا سافر الإنسان من محل إقامته الحالي المُستقر به -باتِّخاذه دار إقامة ومعاشٍ- والقاطن فيه مع أسرته من زوجته وأولاده، والمنعقد فيه مصالحه وشؤون معايشه، إلى البلد الذي ولد فيه ونشأ وترعرع وتزوج، وله فيه بعض العلائق، من شقة سكنية قائمة وبعض الأهل -وهما الأبوان-، مع كونه قد تركها كموطنٍ للإقامة والاستقرار، واتخذ غيرها دار إقامة له، ولم يَعُد قصده متعلِّقًا ببلده إلا تعلُّقَ زيارةٍ عارضةٍ -للاطمئنان على والديه أو نحو ذلك- لا السُّكنى الدائمة، ولا الإقامة القاطعة لحكم السفر، فإنَّ مجرد وجود تلك العلائق لا يُخرجه عن وصف السفر، ولا يقطع أحكامه، ولا يرفع عنه رخصه، ولا يُنزله منزلة المقيم، فيكون له قصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيَّة -متى استوفى شرائط القصر وانتفت موانعه-، ونحو ذلك من رُخصِ السَّفر الأخرى.

والأصل في ذلك: ما ورد من آثار تفيد أنَّ دخول المُسافر بلدًا له فيه أهل أو منزل أو نحو ذلك لا يترتب عليه سريان أحكام الإقامة عليه، ولا يُسقط عنه وصف السَّفر ما دام قد انتقل استيطانه إلى غيره؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جرى عليه عمل الصحابة من بعده كأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

فعن عِمران بن حُصين رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: «يَا أَهلَ البَلَدِ، صَلُّوا أَربَعًا، فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ» أخرجه الإمام أبو داود.

وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَدِم مكة صلَّى بهم ركعتين، ثم يقول: «يَا أَهلَ مَكَّةَ، أَتِمُّوا صَلَاتَكُم، فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ» أخرجه الإمام مالك، والطبراني في "المعجم الكبير".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق