أنت تعيش كذبة... اسمها حياتك

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

دعني أقول لك بصراحة دون تزيين، يا صديقي: أنت لا تعيش كما تظن... أنت فقط تؤجل مواجهة نفسك. تملأ يومك بالانشغال، بالناس، بالضجيج، لا لأنك مشغول فعلًا، بل لأنك تخاف من تلك اللحظة التي ستجلس فيها وحدك... وتسمع الحقيقة.

كلّ إنسان، حين يختلي بنفسه، يكتشف أنه يحمل بداخله أسئلة أكثر مما يملك من إجابات. وفي تلك اللحظة الصغيرة من الصدق، يبدأ الفعل الفلسفي الحقيقي؛ لا في الكتب، ولا في النظريات، بل في تلك المواجهة الصامتة بينك وبين نفسك. وهنا تحديدًا تظهر الحقيقة التي نهرب منها: الفلسفة ليست ترفًا كما يُقال، بل مرآة تكشف ما نحاول إخفاءه، وتعيد إلينا وعينا حين نتوه، وتذكّرنا أن التفكير ليس رفاهية... بل ضرورة.

وحين تسأل «لماذا؟»، يبدأ أول خيط من خيوط التحرر. السؤال، يا عزيزي، ليس لعبة ذهنية، بل تمرين على الوعي. لأنه لا يمنحك إجابة جاهزة، بل يدفعك للبحث عن معنى أعمق خلف كل إجابة. وفي كل مرة تتوقف فيها لتتأمل، فأنت تعود خطوة إلى نفسك... بعد أن استنزفك الركض خارجها.

لكن الحقيقة الأقسى، يا صديقي القارئ، أن الإنسان المعاصر لم يعد يعيش داخل نفسه، بل خارجها. يبحث عن قيمته في أعين الآخرين، لا في صوته الداخلي. في المقارنات، لا في القناعات. وهنا تأتي الفلسفة لتفعل الشيء الذي نخافه جميعًا: تضعك أمام نفسك كما أنت. لا تزيّن، لا تجامل، لا تُخفف... بل تكشف. وربما لهذا يهرب منها البعض، لأنها لا تترك لك مساحة للاختباء.

ومع ذلك، نحن نمارس الفلسفة كل يوم دون أن ننتبه. الأم التي تتساءل عن معنى التضحية، العامل الذي يفكر في العدالة، الشاب الذي يسأل نفسه: «أنا بعمل كل ده ليه؟»... كلهم يعيشون الفلسفة في أنقى صورها. هنا تصبح الفلسفة تجربة تُعاش، لا فكرة تُقال.

ولأن الإنسان خُلق ليتأمل، فإن كل مرة يهرب فيها من التفكير، يخسر جزءًا من نفسه. الفلسفة ليست هروبًا من الحياة، بل اقترابٌ منها بصدق أكبر. وكل فكرة عظيمة بدأت بسؤال بسيط... من إنسان لم يقبل أن يعيش على السطح.

وحين تمارس الفلسفة بصدق، ستكتشف أنك لا تبحث عن إجابات بقدر ما تبحث عن وضوح. عن لحظة ترى فيها نفسك دون تشويش، عن انسجامٍ بين ما تفكر به وما تعيشه. وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية... رحلة العودة إلى نفسك.

وفي النهاية، لا تحتاج أن تكون فيلسوفًا لتفكر، بل تحتاج أن تكون صادقًا بما يكفي لتواجه نفسك. لأن الفلسفة الحقيقية لا تُدرّس، بل تُعاش. إنها المرآة التي لا تكذب... والتي، حين تنظر فيها بصدق، ستدرك أن أخطر كذبة عشتها... كانت أنك كنت تعتقد أنك تعيش.

 

بقلم/ محمد جاد الله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق