مسارات العلاقات الدولية

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إن المتأمل في مسارات العلاقات الدولية يدرك يقيناً أن التفاعلات بين القاهرة وكانبرا لم تكن يوماً مجرد أرقام في موازين التبادل التجاري، بل هي علاقة استراتيجية هادئة تقوم على احترام السيادة وتقدير الثقل الإقليمي، حيث تمثل أستراليا لمصر نافذة هامة على المحيط الهادي ونموذجاً للدولة التي توازن بين القيم الليبرالية ومقتضيات الأمن القومي، ومن هنا تصبح أي واقعة تتماس مع التمثيل الدبلوماسي الأسترالي في القاهرة ليست مجرد شأن عابر، بل هي اختبار لمدى سيادة النظام العام على الجميع دون تفرقة؛ فإذا ما جنحت ممارسةٌ ما لتتجاوز حدود المألوف القانوني بدعوى الحصانة أو المكانة، فإنها تصطدم بصلابة المؤسسات المصرية التي لا تعرف التمييز بين مواطن وأجنبي أمام قدسية القانون.

 

وفي هذا السياق، يبدو المشهد داخل أروقة نادي الجزيرة العريق، وتحديداً في مكتب الشهر العقاري، كأنه تراجيديا قانونية تستحق التأمل؛ حيث نجد أنفسنا أمام نموذج إداري فريد جسده الدكتور علي فكري، الذي لم يتعامل مع وظيفته كعبء بيروقراطي، بل حولها إلى "محراب قانوني" يُقام فيه ميزان العدل بتجرد كامل. إن هذا الرجل الذي قضى أربعة عشر عاماً في خدمة الملايين من أعضاء النادي، واضعاً نصب عينيه هيبة الدولة ونظامها، فارضاً على نفسه قبل الآخرين الانضباط الذي يمنع التدخين ويحظر الهواتف المحمولة لضمان جلالة العمل، يجد نفسه اليوم في مواجهة قرار بالنقل يثير تساؤلات حارقة حول ماهية "القوة القاهرة" التي تجعل مصلحة الشهر العقاري تُفرط في أحد أعمدتها المشهود لهم بالكفاءة؟ هل صار الانضباط عبئاً؟ وهل أصبح الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بما في ذلك زوجات الدبلوماسيين، خطيئة تستوجب العقاب بدلاً من التكريم؟

 

إن الرسالة هنا تمتد لتطرق أبواب مجلس إدارة نادي الجزيرة وأعضائه، الذين يدركون قبل غيرهم أن استقرار المرفق القانوني داخل ناديهم هو صمام أمان لتعاملاتهم، فكيف يُقبل أن يُزاح من جعل المكتب نموذجاً يُحتذى به لمجرد تمسكه ببيئة عمل هادئة تضمن دقة المحررات القانونية؟ وهي رسالة موصولة إلى السيد وزير العدل والسيد مساعد الوزير لشؤون الشهر العقاري، فهل يُعقل أن تُكافأ سنوات الخدمة المتجردة بقرار نقل يفسره البعض كأنه استجابة لضغوط غير منظورة، بينما الحقيقة تقتضي أن يُدعم مثل هذا النموذج الذي حافظ على صورة المصلحة في أعين النخبة والمواطنين على حد سواء؟ أليس من واجب الوزارة حماية موظفها الذي طبق روح القانون قبل نصه، ومنع التشويش على سير العمل بصرامة تليق بمرفق عدلي؟

 

إن المواطن العادي الذي يتعامل مع الشهر العقاري يرى في الدكتور علي فكري "الأمان القانوني" الذي يفتقده في كثير من المصالح، فإذا ما اهتزت ثقة المواطن في حماية الدولة لموظفها النزيه، فماذا يتبقى من هيبة النظام الإداري؟ إن استشراف المستقبل ينبئنا بأن التفريط في الكفاءات المخلصة لصالح ترضيات وقتية أو بسبب مواقف عارضة تتعلق بخرق نظام العمل، هو مسار لا يؤدي إلا إلى إضعاف المؤسسات من الداخل؛ فالدكتور على لم يعاقب أحداً، بل صان قدسية المكان، ومن المؤسف أن تتحول صرامته القانونية إلى ذريعة لنقله، وكأن المصلحة تعاقب نفسها بحرمانه من موقعه الذي أبدع فيه.

 

الخلاصة

إن قضية نقل الدكتور علي فكري ليست مجرد إجراء إداري، بل هي اختبار لمدى صمود معايير الانضباط والنزاهة في مواجهة نفوذ الاستثناء؛ فالحفاظ على هيبة المرفق العام وضمان تساوي الجميع أمام النظام هما الأساس الذي تُبنى عليه ثقة المواطن في دولته، وأي تراجع عن دعم النماذج المشرفة تحت وطأة ضغوط خارجية أو دبلوماسية هو نيل من كرامة الوظيفة العامة وجوهر العدالة.

 

**المصادر والمراجع:**

* مواثيق العمل بوزارة العدل المصرية - قطاع الشهر العقاري والتوثيق.

* قانون الهيئات القضائية واللوائح المنظمة لعمل الموظفين العموميين.

* اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (بشأن حدود الحصانة واحترام القوانين المحلية).

* سجل الإنجازات الإدارية لمكتب شهر عقاري نادي الجزيرة (٢٠١٢-٢٠٢٦).

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق