"التخدير الاستراتيجي" وتحذيرات روسيا من “فيتنام جديدة”.. هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط عبر حرب استنزاف مفتوحة؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في لحظة إقليمية ودولية تتسم بدرجة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية، تتكثف المؤشرات على أن الشرق الأوسط قد يكون مقبلًا على تحول نوعي في طبيعة الصراعات، حيث لم تعد المسارات التفاوضية تُقرأ بوصفها أدوات للتهدئة بقدر ما تُفسَّر في بعض التقديرات كجزء من تكتيكات إدارة الصراع، أو ما يُعرف بـ”التخدير الاستراتيجي”، الذي يهدف إلى كسب الوقت وإعادة التموضع قبل الانتقال إلى مراحل أكثر حدة.

في هذا السياق، كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن تحذيرات روسية موجهة إلى طهران، تفيد بأن المفاوضات الجارية قد تُستخدم كغطاء لتحركات عسكرية محتملة، وهو ما يعكس تحولًا في مقاربة إدارة الأزمات من التفاوض المباشر إلى استخدام أدوات مركّبة تجمع بين الدبلوماسية والضغط العسكري غير المعلن.

هذا التحذير، في دلالاته العميقة، لا ينفصل عن حسابات موسكو في المشهد الدولي، حيث يبدو أن روسيا تسعىوفق قراءات تحليلية إلى إعادة توزيع الضغوط الجيوسياسية المفروضة عليها، عبر توسيع نطاق التوترات وإعادة توجيه بوصلة الاهتمام الدولي. ففتح جبهة محتملة في الشرق الأوسط لا يُعد مجرد تطور إقليمي، بل قد يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تشتيت الموارد الغربية وإعادة ترتيب أولوياتها، خاصة في ظل تداخل الأزمات العالمية.

إدارة الصراع لا حسمه: منطق الاستنزاف غير المباشر

في هذا السياق تظهر المعطيات الحالية أن بعض الأطراف لم تعد تراهن على تحقيق نصر عسكري سريع، بقدر ما تسعى إلى إدارة صراع طويل الأمد قائم على الاستنزاف التدريجي. هذا النمط، الذي يُعرف بـ”الاستنزاف غير المباشر”، يقوم على إغراق الخصم في سلسلة من الضغوط المتراكمة، عسكريًا واقتصاديًا، بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرته على الاستمرار.

ويعيد هذا النموذج إلى الأذهان تجارب تاريخية بارزة، لعل أبرزها حرب فيتنام، التي تحولت من تدخل عسكري تقليدي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، أثّرت بشكل عميق على القدرات الاقتصادية والسياسية للطرف الأكثر تفوقًا عسكريًا.

فخ الغزو البري: حين تتحول القوة إلى عبء
 

في قلب التحذيرات المطروحة، يبرز سيناريو الانزلاق إلى عمليات برية كأحد أخطر الاحتمالات. فرغم أن الضربات الجوية تظل الأداة الأكثر استخدامًا في المراحل الأولى لأي تصعيد، فإن الدخول في مواجهة برية يفتح الباب أمام تعقيدات ميدانية يصعب التحكم في مسارها

فالبيئات القتالية المرتبطة بمناطق النفوذ الإيراني تتميز بخصائص تجعل من الحسم السريع أمرًا بالغ الصعوبة، من بينها:
انتشار البنية القتالية غير المركزية
الاعتماد على شبكات الأنفاق والتحصينات المخفية.


الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى:


ايضا غياب خطوط مواجهة تقليدية واضحة
هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة استنزاف مفتوح، حيث تتحول أي قوة متقدمة إلى هدف دائم لضربات غير متوقعة، ما يرفع كلفة التقدم ويقلص فرص الحسم السريع.

وبالتالي أحد أبرز التحولات في طبيعة الحروب الحديثة يتمثل في بروز ما يمكن تسميته بعقيدة الإفلاس حيث لا يكون الهدف الرئيسي هزيمة الخصم عسكريًا، بل دفعه إلى استنزاف موارده الاقتصادية.
وتتجلى هذه العقيدة في معادلة الكلفة التي تقوم على استخدام أدوات منخفضة التكلفة بشكل مكثف، في مواجهة أنظمة دفاعية باهظة الثمن. ومن المتوقع مع مرور الوقت، أن تؤدي هذه المعادلة إلى:


استنزاف المخزون الدفاعي
تضخم النفقات العسكرية
تآكل القدرة على الاستمرار في العمليات طويلة الأمد.


وبذلك، تتحول الحرب إلى اختبار للقدرة الاقتصادية، حيث يصبح العامل الحاسم هو من يستطيع دفع الفاتورة لفترة أطول.

الجبهات غير المرئية: الاقتصاد والغذاء كأدوات صراع إلى جانب المواجهة العسكرية، تتشكل جبهات موازية لا تقل تأثيرا.

الجبهة المالية:
تزايد الضغوط على العملات الوطنية وارتفاع مستويات الدين، ما قد يحد من قدرة الدول على تمويل العمليات العسكرية.

جبهة الطاقة:
أي اضطراب في الإمدادات قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي.

الأمن الغذائي:
تعطّل الممرات الحيوية، مثل البحر الأحمر، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، ما يخلق ضغوطًا داخلية قد تكون أكثر تأثيرًا من العمليات العسكرية نفسها.

معركة الزمن: من يملك القدرة على الصمود


وفي سياق اخر في ظل هذه المعطيات، تتشكل معادلة صراع جديدة، لا تعتمد فقط على التفوق العسكري، بل على القدرة الشاملة للدولة على الصمود. فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تحقيق حسم سريع، تراهن أطراف أخرى على إطالة أمد المواجهة، وتحويلها إلى حرب استنزاف شاملة.

وهنا، يصبح النصر مفهوما مركبا، لا يُقاس بالسيطرة الميدانية فقط، بل بمدى القدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لذلك يكون السيناريو الأرجح حسب وكالات الأنباء العالمية يتجه نحو “فيتنام جديدة” بطابع اقتصادي في ضوء المؤشرات الحالية، ويبدو أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحول الصراع إلى نموذج فيتنام جديدة، ولكن بأدوات معاصرة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، لتشكّل معًا منظومة استنزاف متعددة الأبعاد.
وهذا النموذج لا يهدف إلى تحقيق نصر سريع، بل إلى إطالة أمد المواجهة إلى الحد الذي تتحول فيه التكلفة إلى العامل الحاسم في تحديد المنتصر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق