مع تأزم المشهد التفاوضى لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية، اشترط الكرملين أن يكون أى لقاء محتمل بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والأوكرانى فولوديمير زيلينسكى موجهًا حصرًا لإبرام ترتيبات نهائية وجوهرية للنزاع المستمر منذ أكثر من أربع سنوات، وذلك فى موقف يبدد الآمال بعقد جولات تفاوضية تمهيدية.
وصرح دميترى بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، خلال لقاء صحفى بأن «بوتين قال إنه مستعد لعقد لقاء فى موسكو فى أى لحظة».
وأضاف: «المهم وجود سبب للاجتماع، والأهم أن يكون الاجتماع مثمراً، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا لغرض إبرام اتفاقات»، وبالتالى يحمل اللقاء غاية واضحة ومحددة، وهى التوقيع على صفقة سلام نهائية، وليس إلى عملية تفاوضية طويلة الأمد قد تمنح كييف فرصة لتحسين موقعها.
جاء التصريح الروسى المشروط بعد ساعات من إعلان وزير الخارجية الأوكرانى أندريه سيبيها أن بلاده طلبت رسمياً من تركيا استضافة لقاء محتمل بين الرئيسين، فى مسعى لإحياء محادثات السلام المتعثرة والتى توقفت عملياً منذ الأشهر الأولى للهجوم الروسى.
وأوضح «سيبيها» أن كييف خاطبت أنقرة بالإضافة إلى «عواصم أخرى» لاستضافة اللقاء، مشدداً على استعداد بلاده لدراسة أى مكان باستثناء بيلاروسيا.
وأضاف: «خاطبنا الأتراك على وجه التحديد، ولكن إذا نظمت عاصمة أخرى، باستثناء موسكو وبيلاروسيا، مثل هذا الاجتماع، فسنذهب»، ويرجع استبعاد بيلاروسيا لاستضافة اللقاء الثنائى، نظراً لأنها تعد حليفاً وثيقاً لموسكو، وقد سمحت باستخدام أراضيها منطلقاً للهجوم الروسى فى فبراير 2022.
ولم يكشف «سيبيها» عن الرد التركى على هذا الاقتراح، لكن أنقرة لعبت سابقاً دوراً وسيطاً مهماً، أبرزها اتفاقية تصدير الحبوب عبر البحر الأسود عام 2022، كما استضافت جولات مفاوضات أولية بين الجانبين.
فى مقابل الاستعدادات الأوكرانية للقاء على أراضٍ محايدة، يصر الكرملين على موسكو كموقع محتمل، وهو ما رفضه زيلينسكى مراراً وتعتبره كييف استفزازاً سياسياً، ويعد هذا التباين كعقبة إجرائية تعكس فجوة أعمق فى الثقة بين الطرفين.
ووفق محللين استراتيجيبن فإن هذا الشرط الروسى يعكس رغبة الكرملين فى تجنب سيناريو المفاوضات المفتوحة التى قد تستغلها أوكرانيا وحلفاؤها لكسب الوقت أو الضغط على موسكو، كما أنه يضع عبء إثبات الجدية على كييف قبل أى لقاء على أعلى مستوى.
من جهة أخرى، كشف «سيبيها» وزير الخارجية الأوكرانية عن تبادله رسائل مكتوبة مع أنيتا أوربان، التى ستتولى حقيبة الخارجية فى المجر عقب تشكيل الحكومة الجديدة الفائزة فى الانتخابات مطلع الشهر الجارى، وتأتى هذه الخطوة فى إطار مساعٍ دبلوماسية لتوسيع قاعدة الدعم لكييف وسط انقسامات أوروبية بشأن استمرار الدعم العسكرى والمالى، خاصة مع استمرار تعطيل المجر لحزم مساعدات أوروبية متعددة.
وتعكس التصريحات المتبادلة ما بين موسكو وكييف استمرار حالة «تجمد الموقف» التفاوضى، حيث تصر أوكرانيا على وساطة دولية محايدة ورفض أى لقاء على الأراضى أو البيلاروسية، بينما تتمسك روسيا بشرطين: عقد القمة على أراضيها، وربطها بإبرام اتفاق نهائى فقط، دون الدخول فى جولات تمهيدية أو لقاءات رمزية.أو
ووفق محللين فإن هذه الشروط تجعل احتمالات عقد لقاء قريب بين بوتين وزيلينسكى محدودة للغاية، رغم الدعوات الأمريكية والأوروبية المتزايدة لفتح قنوات حوار جادة، فالحرب التى أوقعت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وشرّدت الملايين، وأحدثت انقساماً جيوسياسياً هو الأعمق منذ الحرب الباردة، لا تزال تراوح مكانها عسكرياً، ما يقلل حماس الطرفين لتقديم تنازلات كبرى قبل تحقيق تقدم ميدانى حاسم.
ليبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لتوسط دولى جديد، ربما بوساطة تركية أو أمريكية، أن يسد الفجوة بين شروط موسكو ومطالب كييف، أم أن لقاء القمة سيظل رهيناً بتحولات ميدانية تغير حسابات الحرب؟


















0 تعليق