من المقرر شرعًا أنَّ الأشهرَ الحُرُم الأربعة هي: رجب، وذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّم، وهذه الشهور من أحب الأزمان إلى الله تعالى، فيجب الحرص على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، واجتناب الذنوب والمعاصي، ويستحب في هذه الشهور الإكثار من الأعمال الصالحة، كالصوم، والصدقة، والذكر، وغيرها، فإنَّ العمل الصالح فيها له أجرٌ كبير، وفضلٌ عظيم، لفضلها عند الله سبحانه وتعالى.
بيان فضل الأشهر الحرم
جَعَلَ اللهُ سبحانه وتعالى عدةَ الشهور اثنَي عشر شهرًا في كتابه، واختص من بين هذه الشهور أربعةً حُرُمًا عظَّم حرمتهن، وكثَّر خيرهن، وهن: رجب، وذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» متفق عليه.
قال الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (11/ 168، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه المذكورة في الحديث] اهـ.
ومعنى كونها حرمًا أنَّ المعصية فيها أشد عقابًا، والطاعة فيها أكثر ثوابًا، كما قال الإمام الرازي في "تفسيره" (16/ 41، ط. دار إحياء التراث العربي)، وقال الإمام الطبري في "تفسيره" (11/ 444، ط. دار هجر): [عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: في كُلِّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهن، وجَعَل الذنب فيهنَّ أعظم، والعمل الصالح والأجرَ أعظم] اهـ.
وقد فضَّلَ اللهُ سبحانه وتعالى بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ، وخص بعضَها بمزيد فضلٍ وتشريفٍ؛ لتكونَ مواسمَ للخيراتِ، ومظانَّ لاستجابةِ الدعوات، ومضاعفةِ الحسنات، والجدِّ في الطاعات، وكثرةِ فعل الخيرات، واجتناب السيئات.
ومن الأزمنة التي اختارها الله واصطفاها وعظَّمها وفضَّلها: هذه الأشهر الحرم؛ فهي من أحبِّ الأزمان إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال كعب الأحبار فيما رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (5/ 303، ط. مكتبة الرشد).
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (10/ 184، ط. الدار التونسية): [تفضيل الأوقات والبقاع إنما يكون بجعل الله تعالى بخبرٍ منه، أو بإطْلاعٍ على مراده؛ لأن الله إذا فضلها جعلها مظان لتطلب رضاه، مثل كونها مظان إجابة الدعوات، أو مضاعفة الحسنات] اهـ.
الأعمال الصالحة في الأشهر الحرم
يستحب الإكثار من الأعمال الصالحة في هذه الشهور؛ فإن الأجر فيها مضاعف، ومن أفضل القربات فيها المحافظة على الفرائض، وأداء الصلوات في أوقاتها؛ فهي أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه، ففي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» أخرجه الإمام البخاري.
وينبغي اجتناب الذنوب، والبعد عن المعاصي، وعدم ظلم النفس؛ فإن الظلم في هذه الشهور أعظم خطيئة، وأشدُّ وزرًا.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في "الفتح المبين" (ص: 589، ط. دار المنهاج): [قال قتادة: الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا، وسبقه إلى ذلك ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما] اهـ.
ومن أفضل الأعمال الصالحة أيضًا الإكثارُ من الصيام في هذه الشهور؛ إذ هي مظان الصوم، وهي أوقات فاضلة، كما في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي (1/ 237، ط. دار المعرفة).
فعن مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أبيها أو عمها أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسلَّمَ قال: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا» رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه.
وقد نُقل عن غير واحد من السَّلف الصالح عنايتهم بصيام الأشهر الحُرُم، وحرصهم عليها، كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والحسن البصري، وأبي إسحاق السَّبيعي، وكان الإمام الثَّوري يقول: "الأشهر الحُرم أحب إليَّ أن أصوم فيها". يُنظر: "لطائف المعارف" للحافظ ابن رجب (ص: 119، ط. دار ابن حزم)، و"شرح سنن أبي داود" للإمام شهاب الدين بن رسلان (10/ 533، ط. دار الفلاح).
وعن أبي الْأَحْوَصِ الكوفي قال: قَالَ لَنَا أَبُو إِسْحَاقَ السبيعي: «إِنِّي لَأَصُومُ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ»، كما في "مسند ابن الجعد" (ص: 75، ط. مؤسسة نادر).
وقد تطابقت أقوال الفقهاء من المذاهب الفقهية الأربعة على استحباب ذلك.
جاء في "الفتاوى الهندية" (1/ 202، ط. دار الفكر) ما نصه: [(المرغوبات من الصيام أنواع) أولها: صوم المُحرَّم، والثاني: صوم رجب] اهـ.
وقال العلامة ابن رشد الجد في "المقدمات الممهدات" (1/ 242، ط. دار الغرب الإسلامي): [وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 187، ط. دار الكتب العلمية): [أفضل الشهور للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم] اهـ.

















0 تعليق