من المقرر شرعًا أن من أداب العلم أن يبدأ بالبسملة، ويُختم بالتواضع، ولقد تجلّى في أدبيات المسلمين وعيٌ واضح بالعلاقة بين النسبي والمطلق؛ فنراهم يبدءون بالإقرار بالإيمان بالمطلق، وما يقتضيه ذلك من الإيمان بالله، وبرسله، وبالقيم السامية العالية، ويتمثل ذلك في بدايات كتبهم؛ حيث يفتتحون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهي العبارة التي نُحِتَ منها في لغة العرب لفظ البسملة؛ لكثرة استعمالها في البدايات، ثم يتبعون ذلك بـ (الحمد لله رب العالمين)، وقد تفننوا في صيغ الحمد كثيرًا، ثم يذكرون الصلاة على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم.
آداب العلم
وكانوا يعللون ذلك، وهم يشرحون صنيعهم، بأن هذا البدء بالبسملة والحمدلة اقتداءٌ بالكتاب الكريم؛ إذ بدأت فاتحة الكتاب بقوله تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِیمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الفاتحة: ١-٢]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسم الله فهو أَبْتَر» [الخطيب البغدادي: كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، (١٢١٠)]، وفي رواية: «بحمد الله» [أبو داود: السنن، كتاب الأدب باب الهدي في الكلام (٤٨٤٠) بلفظ فهو أجذم بدلً من أقطع]، وفي رواية: «ذكر الله» [انظر الإمام أحمد: المسند، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، رقم (٨٧١١)].
وأما ذكر الصلاة على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فامتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وطلبًا للثواب العظيم الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَن صلى عَلَيَّ واحدةً، صلى اللهُ عليه عَشْرًا» [الإمام مسلم: الصحيح، (٤٠٨)]، وأداءً لحق سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوسنا من التعظيم، والتوقير، والمحبة.
كما يذكرون شيئًا من هموم الدنيا وشواغلها، ويقرون بمحدودية الإنسان وضعفه، وبأنه محتاج إلى أن يضمَّ إلى الحمد استغفارًا، وإلى الثناء طلبًا للمعونة والتوفيق، وقد يقرنون ذلك بالشهادتين، بوصفهما مدخلًا معرفيًّا يربط ما يقولونه من نسبي بما يؤمنون به من مطلق.
ثم تراهم، في نهاية اجتهادهم أو بحثهم، يقولون: والله تعالى أعلى وأعلم، أو: والله أعلم، وهي كلمة حكيمة تدل على أمور جليلة؛ منها: أن العالم يعلن أن علمه محدود، وأن حواسه التي تتلقى الواقع محدودة، وأن العقل الذي يفكر به محدود كذلك، ومعنى هذا أنه، مع اجتهاده وبحثه وتعاطيه مع الواقع، يعترف بحدوده، فلا تتضخم ذاته، ولا يغتر بما توصل إليه، ويترك مساحة واسعة بين قضايا القطع واليقين، وبين قضايا الظن والاجتهاد.
ومن حكمة هذه الكلمة - أيضًا - أن العالم يكون على استعداد لتغيير ما قد يكون أخطأ فيه، وأنه يرجع عنه فورًا إذا تبين له الحق بالبرهان، وهو بهذا يعلن أن باب العلم مفتوح، وأن البحث لا ينتهي عند شخص، ولا يقف عند رأي، ولا يحتكر أحد فيه الكلمة الأخيرة.
ومن حكمتها كذلك أنها ترد العلم إلى أهله؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه: ١١٤]، وقال عز وجل: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ بل إن أصل الخلقة قائم على هذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
فوائد رد العلم الى الله
وردُّ العلم إلى الله تعالى يفيد فائدتين عظيمتين:
الأولى: فائدة معرفية، تتمثل في مستوى من التفكير المستنير يربط ظواهر الحياة بحقائقها، ويوقن أن هذه الدنيا مخلوقة لخالق، وأن الله - سبحانه وتعالى - لم يتركنا بعد أن خلقنا عبثًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
والثانية: فائدة نفسية ترجع إلى العالم نفسه، إذ يزداد تواضعًا لله كلما ازداد علمه، ويزداد يقينًا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِی عِلۡمٍ عَلِیمࣱ﴾ [يوسف: ٧٦]، ومعنى قوله سبحانه: ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٨٥].


















0 تعليق