إحدى الحكايات الشعبية المجرية تقول إن هناك إسكافياً فقيراً كان ماهراً فى صنعته، وذات يوم مرضت زوجته ولم تفلح كل التعويذات الموجودة فى القرية فى أن تشفيها من ألم الرأس الذى أصابها، ونظراً لعدم وجود أطباء فى القرية، ذهب الإسكافى بمفرده إلى طبيب فى المدينة بعدما سمع أن هذا الطبيب يستطيع أن يعالج كل شىء.
وبعد الانتظار فى طابور المرضى دخل إلى الطبيب، ولم يكن يعلم أنه يفحص المريض ذاته، موضحاً أن زوجته لم تأتِ لأنها لا تستطيع السير، فقام الطبيب بطرد هذا الساذج بعد توبيخه، بعدها تساءل لماذا هذا الطبيب صار طبيبًا، فوجد أن الطبيب يرتدى قبعة طويلة، ويوجد فى غرفته العديد من الكتب، والكثير من الأوراق المتناثرة، وله رجل يقف عند الباب يُخبط على رأس المريض قبل أن يدخل، كما فعل معه فى إشارة إلى أن يخلع الإسكافى «القلنسوة» التى يرتديها ولكنه لم يفهم تلك الإشارة، واعتقد أنها عادة متبعة فى هذا المكان.
ثم قام الإسكافى بقياس منزل الطبيب من الخارج، ولاحظ وجود لوحة بجانب البوابة مكتوب عليها اسم الطبيب وشىء آخر ربما يعنى أن الطبيب يعالج كل شىء، وبينما هو واقف هكذا، خرج من عند الطبيب رجل فى يده ورقة «الروشتة» فسأله الإسكافى عن السعر الذى دفعه فيها، ثم عرض عليه أن يبيعها مستعملة، وعندما رفض الرجل طلب منه الإسكافى «الروشتة» ليراها، ثم قام بنسخ الشخابيط الموجودة فيها على قدر ما استطاع، بعدها ذهب إلى الصيدلية ليصرف الوصفة الطبية التى قام بنسخها، وعندما فشل الصيدلانى فى قراءتها أعطاه وصفة طبية بديلة، اعتاد أن يعطيها للمريض عندما يفشل فى قراءة الوصفات المكتوبة.
رجع الإسكافى إلى زوجته، وبعدما أعطاها من الوصفة الطبية شُفِيت فى اليوم التالى، وأخبرها بأن تلك الوصفة مستعملة، وأن ثمنها خمسة فورنتات «الفورنت العملة المستخدمة فى المجر»، موضحًا أنه صار على دراية تامة بمهنة الطب الأكثر ربحاً من صناعة الأحذية، وقال إنه سيصبح طبيباً أيضاً، وبخته الزوجة بغضب شديد، وسألته كيف يمكن له أن يكون طبيباً وهو لا يجيد الكتابة، أجابها الإسكافى بأن الطب حرفة، وهو الآن على دراية بتلك الحرفة كما احترف صناعة الأحذية، وعليه فقط تدبير المال اللازم لاستئجار منزل فى المدينة، وشراء قبعة مدببة كالتى كانت على رأس الطبيب، والأوراق الخاصة بالوصفات الطبية، وقلم رصاص ومنضدة وكتب وكرسى وجميع المستلزمات الأخرى.
استطاع الإسكافى تدبير المال اللازم لشراء ما يريد؛ بعدما قام بصنع أزواج من الأحذية القيمة كهدية للملك، فأعطاه الملك صحنين من الذهب، فقام بشراء منزل كبير وكل ما يلزم ليصبح طبيباً، وكتب على المنزل «هنا يسكن طبيب يستطيع أن يداوى كل شىء»، وعين رجلًا قوياً يقوم بالخبط على رؤوس المرضى قبل الدخول إليه، كما حدث معه بالتمام والكمال.
وسريعاً حضر له بعض المرضى، فكتب على الروشتة تلك الشخبطة التى يتذكرها، وكان يوجه المرضى إلى الصيدلية، وعندما عجز من يبيع الدواء عن قراءة روشتة الإسكافى، كان يسأل المريض مما يعانيه ثم يعطيه الدواء المناسب له، وانتشرت أخبار الإسكافى الطبيب كالنار فى الهشيم، وصار يتمتع بسمعة كبيرة مفادها أنه يعرف كل شىء.
تتنقل بنا الحكاية من مواقف ينجح فيها الإسكافى، ويخدمه الحظ بأن يفك ألغاز ما يُطلب منه، حتى لحظة مواجهة المعضلة الكبرى؛ عندما طلب منه الملك أن يعرف من سرق خاتم ابنته، وإلا فعليه أن يستعد للموت.
كان الحظ ملازمًا للإسكافى، فبينما يتناول وزوجته الطعام، وبدأ يشعر بأن تلك الأيام هى الأخيرة فى حياته مستسلمًا للعقاب بفراق الدنيا وفقد الأمل فى النجاة، انهار أحد طباخى القصر واعترف بأنهم من سرقوا الخاتم متوسلًا إليه أن يسامحهم وينقذهم من القتل، فطلب الإسكافى من الطباخين المتورطين فى سرقة الخاتم بعد أن عفا عنهم، أن يمسكوا بدجاجة ويجعلوها تبتلع الخاتم، وفى اليوم التالى وقف الطبيب المعجزة أمام البلاط الملكى وقد احتشد الناس أمامهم، ثم أخرج الخاتم من جوف الدجاجة اللصة التى سرقت الخاتم، واندهش الجميع من هذا الطبيب المعجزة، ونثروا عليه الورد.
فرح الإسكافى بالنجاة من الموت، وفكر بعدها كيف يتحرر من مهنة الطب، فاقترحت عليه زوجته أن يضرم النيران فى المنزل، وأن يتظاهر كما لو كان يريد القفز فى النار التى تلتهم كتب العلم والمعرفة، وهكذا يتحرر من الأوراق الملعونة والروشتات ومهنة الطب بأكملها، وبالفعل أحرق الإسكافى كل شىء وعاد إلى مهنته يصنع الأحذية.
الخلاصة: هناك أناس مثل «روشتة الإسكافي» تمامًا، وحتمًا سيأتى يوم ينكشف زيفهم؛ إذا كانوا أقل حظاً ووعياً من الإسكافى.. وهم كذلك بالفعل.


















0 تعليق