محنة المرض وطوابير الموت

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يعد المرض في مصر مجرد ابتلاء صحي، بل تحوّل إلى محنة مركبة، يجد فيها المواطن نفسه في مواجهة ألم الجسد، وضيق الحال، وتعقيدات منظومة علاجية يفترض أنها وُجدت لحمايته.

في اللحظة التي يكتشف فيها المواطن البسيط إصابته بمرض، تبدأ رحلة أكثر قسوة من المرض نفسه: رحلة البحث عن العلاج. أولى محطاتها عيادات القطاع الخاص، حيث أصبحت تكلفة الكشف الطبي تلامس الألف جنيه وربما تتجاوزها، بينما تقف التحاليل والأشعات كعبء إضافي قد يصل إلى آلاف الجنيهات، ليكتشف المريض أن دخله لا يكفي حتى لتشخيص حالته.

ومع انسداد هذا الطريق، لا يجد أمامه سوى المستشفيات الحكومية ومنظومة التأمين الصحي، باعتبارها الملاذ الأخير، لكنه يفاجأ بواقع مختلف: طوابير تبدأ قبل شروق الشمس، وأعداد محدودة، وأيام قد تضيع بلا كشف أو علاج.

وقد كشفت التحقيقات داخل مستشفيات التأمين الصحي بالإسكندرية صورة قاسية لما يعيشه المرضى يوميًا؛ مئات المواطنين يقفون منذ الفجر أمام المستشفيات في انتظار “رقم” قد لا يأتي.

رحلة العلاج لم تعد رحلة شفاء، بل رحلة شقاء؛ من حجز التذكرة إلى التحويلات إلى نقص الأدوية، وصولًا إلى مواعيد تمتد لأشهر، بينما يقف المريض منهكًا بلا حول ولا قوة.

وتبلغ المأساة ذروتها في الحالات الحرجة، خاصة مرضى العناية المركزة، حيث يفاجأ المريض بعدم وجود سرير، ليتم تحويله إلى مستشفى خاص، لكنه يُصدم بأن التحاليل والأشعات والمستلزمات كلها على نفقته الخاصة رغم اشتراكه في التأمين الصحي.

وفي النهاية، يجد نفسه بين خيارين قاسيين: إما دفع ما لا يملك، أو انتظار مصير مجهول قد يقترب من الموت.

ويبقى المواطن وحده في المواجهة… بين مرض لا ينتظر، ومنظومة لا تستجيب.

لأن أخطر ما في طوابير الموت ليس الزحام ولا طول الانتظار، بل ذلك الشعور الصامت حين يدرك الإنسان أنه تُرك وحيدًا في لحظة ضعفه.

ومع ذلك، يبقى متمسكًا بأمل بسيط… أن تأتيه الرحمة قبل أن يخذله الجسد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق