الخبراء يفككون مستقبل الهوية العربية في عصر "الانبعاثات الرقمية"

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"بين السيادة الرقمية والفقاعات الأيديولوجية"..

لم يعد الحديث عن الهوية العربية مجرد ترف فكري أو استحضار لملامح الماضي، بل بات ينظر إليه كركيزة أساسية للأمن القومي والاستقرار المجتمعي. ففي ظل سيولة العولمة والتحولات الرقمية المتسارعة، تواجه المجتمعات العربية تحدي "التشظي الهوياتي" الذي قد يتحول من ثراء ثقافي إلى صراعات شوفينية تهدد كيان الدولة الوطنية.
وتلعب الخوارزميات وصراعات الفضاء السيبراني دور جديد في صياغة المفاهيم الاجتماعية في المنطقة، وهنا تبرز الحاجة إلى "مقاربة تكاملية" تزاوج بين الرؤية الدبلوماسية والبحث العلمي الرصين. ولم تعد معركة الهوية العربية اليوم تدور في كتب التاريخ فحسب، بل في "منعزلات هوياتية ضيقة" تخلقها منصات التواصل الاجتماعي

وفي هذا السياق، رسم السفير أحمد رشيد خطابي الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الإعلام والاتصال،  معالم الطريق لمواجهة تحديات الانتماء في القرن الحادي والعشرين، محذرا من أن التحولات الكبرى التي شهدتها العقود الأخيرة أعادت طرح أسئلة الهوية والمواطنة بحدة، خاصة تحت تأثيرات العولمة. وأشار بوضوح إلى أن الخطر لا يكمن في "التنوع" بحد ذاته، فهو سمة إنسانية ومصدر غنى، بل في "غياب الإطار المؤسساتي" القادر على تدبير هذا التنوع. كما لفت الانتباه إلى التأثيرات العميقة للفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي قد تدفع بالشباب نحو نزعات انغلاقية أو "شوفينية" تهدد التماسك المجتمعي

وفي ورشة الندوة الفكرية التي جاءت بعنوان "انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة متكاملة" بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة ، جاءت الخطة العلمية لقطاع الإعلام والاتصال لسنة 2026. وشدد  السفير  خطابي، على أن سؤال الهوية لم يعد شأناً ثقافياً محضاً، بل أضحى سؤالاً جوهرياً يرتبط بمسارات التنمية والاستقرار وبناء مستقبل الأجيال الصاعدة. 
​وشهدت الورشة مشاركة رفيعة المستوى لمراكز بحثية عربية مختلفة واستاذة اكاديمين من جامعات عربية، وشارك مركز إيجيبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية"، بوفد رفيع المستوي برئاسة محمد عبد الحليم مدير المركز، والدكتورة آيات عبد العزيز مدير البحوث، واللواء أ. ح/ أحمد النحاس رئيس الهيئة الاستشارية، بمشاركة نخبة من باحثي المركز في تخصصات الإعلام والقوى الصاعدة والتعاون الدولي. و جاءت هذه المشاركة لتعزز الرؤية التي طرحها السفير خطابي حول ضرورة تبني مقاربة تشاركية تشمل مراكز الفكر لصناعة سياسات عمومية معززة لثقافة المواطنة. 

​وفي إطار الفعاليات، قدمت  أسماء سعد مسؤول التعاون الدولي بالمركز، ورقة بحثية بعنوان "سوسيولوجيا الهوية العربية في ظل السيادة الرقمية"، ركزت خلالها على التحولات البنيوية التي طرأت على الشخصية العربية في ظل التدافع بين الإعلام التقليدي وديناميكيات الفضاء السيبراني. وطرحت الورقة فرضية مغايرة تشير إلى أن الوسائط الرقمية أنتجت حالة من "الانكفاء الرقمي" نتيجة آليات "التشظي الخوارزمي" التي تحصر المستخدمين داخل فقاعات أيديولوجية ومنعزلات هوياتية ضيقة. وخلصت نتائج الورقة إلى أن الهوية العربية تشهد حالة "انبعاث رقمي جديد" يعيد إنتاج تمثيلاتها وتجسيداتها ضمن بنية تقنية مركبة.


​من جانبه، استند السفير خطابي في رؤيته لفلسفة الهوية إلى أطروحة المفكر المغربي عبد الله العروي، مؤكداً أن الهوية العربية ليست نسقاً جامداً بل ديناميكية تاريخية متطورة ووعاءً حضارياً منفتحاً للتلاقح الثقافي. ودعا إلى استلهام أطروحة "الوحدة في التنوع" للفيلسوف إدغار موران، مشدداً على أهمية وجود هوية قادرة على الانخراط بقوة في عصر المعرفة والثورة المعلوماتية، وبمقدورها احتواء سلوكيات التغريب التي تبخس الخصوصيات الثقافية العربية. 
​وفي سياق متصل، قدمت الدكتور أمنية رشاد، باحثة وحدة الدراسات الإعلامية بالمركز، مداخلة تحليلية حول دور الإعلام في تشكيل الهوية العربية، حيث استعرضت سبل استثمار الإعلام الرقمي والجديد لدعم الهوية المشتركة. وتضمنت مقترحاتها إطلاق حسابات تفاعلية متخصصة لنشر محتوى تثقيفي أصيل، وتشجيع المستخدمين على تقديم محتوى يخص الهوية، بالإضافة إلى ضرورة تعزيز استخدام اللغة العربية الفصحى في الوسائل الإعلامية الموجهة للأطفال والشباب لترسيخ الروابط الثقافية وتوحيد الخطاب الإعلامي العربي.
​و باستحضار مقولة الشاعر محمود درويش التي استشهد بها السفير خطابي: "الهوية هي ما نورث لا ما نرث.. ما نخترع لا ما نتذكر". وعكست المناقشات إيماناً مشتركاً بأن الهوية هي "ابتكار دائم" يتطلب كسر الصور النمطية كلما أعاقت التطور، مع ضرورة تفعيل دور الإعلام التنموي والشبابي لمواجهة التوترات الوجودية بين الانتماء للجغرافيا المحلية والانخراط في الفضاءات الرقمية العابرة للحدود. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق