خارج السطر
الأحد 12/أبريل/2026 - 07:39 م 4/12/2026 7:39:10 PM
«فظيع جهل ما يجرى/ وأفظع منه أن تدرى». هذا بيت شعر شهير للشاعر اليمنى عبدالله البردونى يلخص ما نعيشه ونسمعه الآن من واقع اجتماعى مصرى غير مسبوق.
حكايات قتل قاسية، واستحلال دم وحرمات وأموال، مشاهد بشعة وجرائم شاذة تثير الغثيان وتفتح الأفواه دهشة، تتكرر كل يوم بما يدق أجراس الحذر ويضىء أعمدة الإنارة تحذيراً لما يسرى فى المجتمع.
عشنا عقوداً طويلة متيمين بأكذوبة تدين المجتمع المصرى، وابتلعنا المظاهر الشكلية للبداوة، وصدقنا أنها تعنى جنوحاً للدين، وهللنا لانتشار الحجاب، واعتبرناه دليلاً على العفة والالتزام الأخلاقى، وانخدعنا بكل من نصب نفسه متحدثاً باسم الدين، وأثرى وصعد وسطع بفضل هذا التنصيب، فانتفخ صغار، وكبرت صغائر.
فى سبعينيات القرن العشرين وما تلاها تمدد التيار الدينى كما لم يفعل من قبل. غزا الجامعات والمعاهد والمدارس باتحاداته ومعسكراته، حاز المقاعد الأولى فى النقابات المهنية، استولى على منابر المساجد والزوايا فى الريف والحضر، تحكم فى الصحف ووسائل الإعلام وتسرب إلى كبرى المؤسسات، وشاعت فكرة التدين المجتمعى كمسار للنهضة المرتقبة والخروج من أزمات الاقتصاد والسياسة، تحت شعار مخادع هو «الإسلام هو الحل».
كانت الإشكالية أننا تصورنا أن التدين دين، وهو ليس كذلك، بل هو ادعاء الالتزام بالدين، وهو يختلف كلية عن الالتزام الفعلى بالدين. والتدين هو محاولة إظهار التمسك بالدين بمسبحة ولحية وحجاب وأمور شكلية مظهرية احتيالية يدرك مستخدموها أنها ليست لله. ومن الأمثلة إقحام آيات القرآن فى كل موقف حتى لو كان غير مناسب، مثلما جرى مثلاً فى مظاهرات الإخوان المسلمين فى الأربعينيات لتأييد إسماعيل صدقى بعد التحالف معه، مرددين آية «واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صديقاً نبياً». فضلاً عن إدخال مصطلحات دينية إلى دنيا السياسة مثلما تفتقت ذهان منافقى الرئيس السادات على إطلاق لقب الرئيس المؤمن عليه، وقبوله هو بذلك. فضلاً عن تسمية الدولة بدولة العلم والإيمان، وتمادى البعض بتوصيفه بسادس الخلفاء الراشدين.
وهكذا خدرتنا فكرة التدين الظاهرى، طمأنتنا أننا بخير، وأن الناس طيبون، والعقول حكيمة وهادئة، والجريمة نادرة، وأن مصر هى بلد الأمن والأمان والسلام. لكن تحت الرماد كان اللهيب متوهجا، يسرى ببطء ويتمدد بحرية. يكسب القبح كل يوم أرضاً جديدة، فنسمع عن جريمة غريبة هنا أو هناك، فنتشكك، ونرى ظواهر محزنة ومخجلة فى ربوع بلادنا فنتعجب. متى ولد هؤلاء؟ وكيف نبتوا؟ وفى أى بيئة؟
لقد تدهورت أخلاق الناس، تدنت السلوكيات العامة، توارى الذوق واللطف، وطغت المادية وغلبت المظهرية. تفشى الفساد، اتسعت الخرافات، تمدد الدجل، واستشرى التعصب دينياً وسياسياً وكروياً.
وهذا يحتاج لوقفة بل قفات ووقفات. فالأخلاق صناعة، وضبط المجتمع علم، والدولة هى المسئول الأول والأولى، فكما قال الأولون، فإن «الله يذع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».
والله أعلم.

















0 تعليق